أخبار محلية

من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: من يراقب اللايفات.. يقرأ ملامح الهزيمة

في الحروب، هناك لحظة لا تُسجلها الخرائط، ولا ترصدها الأقمار الصناعية، ولا تعلنها البيانات العسكرية. إنها اللحظة التي يبدأ فيها المقاتل بالشكوى من قيادته أكثر من شكواه من عدوه. عندها تكون المعركة قد دخلت مرحلة مختلفة؛ مرحلة لا يتصدرها صوت المدافع، بل صوت التآكل الداخلي

تُعد الشكاوى المتكررة الصادرة من داخل أي قوة مقاتلة إذا كانت تعكس نمطًا عامًا من أهم المؤشرات التي يقرأها المحللون لقياس الحالة القتالية، فالقوة لا تنهار فجأة، وإنما تُرسل إشارات مبكرة، تبدأ غالبًا من داخل صفوفها

اللافت في المقاطع المتداولة المنسوبة إلى أفراد المليشيا أن مضمونها يكاد يدور حول ثلاث قضايا متكررة: غياب الإمداد، واستمرار الضغط الجوي، والشعور بالتخلي من قبل القيادة، إن اجتماع هذه العناصر في وقت واحد لا يُعد مجرد تذمر، بل يستحق التوقف عنده باعتباره مؤشرًا على تغير في ميزان العمليات.

أولًا: عندما يختنق الإمداد… يبدأ العد التنازلي.

اللوجستيات ليست خدمة مساندة فحسب بل هي العمود الفقري للحرب ، فالجيش لا يقاتل بما يملكه اليوم، وإنما بما يستطيع إيصاله إلى جبهاته غدًا، ولذلك فإن تكرار الحديث عن نقص الذخيرة، وتأخر التعزيزات، وصعوبة التموين، يعني أن شبكة الإمداد تتعرض لضغط مؤثر، وهو أخطر ما يمكن أن تواجهه أي قوة في ساحة المعركة

ثانيًا: عندما تُسلب حرية الحركة… تُسلب المبادرة.

المبادرة هي القدرة على فرض توقيت المعركة ومكانها وشكلها وإذا أصبح المقاتل يتحرك هربًا من الضربات الجوية، ويغيّر مساراته باستمرار، ويقضي وقته في التخفي بدل المناورة، فإن ذلك يعني أن الطرف المقابل فرض سيطرته العملياتية، وأجبر خصمه على القتال برد الفعل لا بالفعل

ثالثًا: عندما تتصدع الثقة… تتصدع الجبهة.

أخطر انهزام هو اهتزاز العلاقة بين المقاتل وقيادته، فالجندي قد يحتمل الجوع والعطش وقسوة الميدان، لكنه لا يحتمل أن يشعر بأنه تُرك وحده، وعندما تتحول الشكوى من نقص الإمكانات إلى اتهام القيادة بالتخلي، فإن الأزمة تنتقل من كونها أزمة موارد إلى أزمة قيادة وسيطرة، وهي المرحلة التي تبدأ فيها الجبهات بالتفكك نفسيًا قبل أن تتفكك ميدانيًا

وفي المقابل، فإن استمرار القوات المسلحة في المحافظة على نسق العمليات، واستدامة الإمداد، وتوظيف الإسناد الجوي، والاحتفاظ بالمبادرة، يعكس قدرة على إدارة المعركة وفق أسس عسكرية متماسكة. فالطرف الذي يفرض إيقاع القتال، ويجبر خصمه على التكيف مع قراراته، هو الذي يمتلك زمام المبادرة الاستراتيجية

لقد أثبتت الحروب الحديثة أن السيطرة على المجال الجوي لا تحسم المعركة وحدها، لكنها تخلق البيئة التي تجعل الخصم يفقد حرية الحركة، وتربك منظومة إمداده، وتضغط على معنوياته حتى يصبح همه البقاء أكثر من تحقيق أهدافه

لهذا فإن المراقب الحصيف يتعامل مع هذه المقاطع لا بوصفها مجرد محتوى إعلامي، بل باعتبارها رسائل صادرة من قلب الميدان. فحين تتكرر الشكاوى، وتتشابه مضامينها، وتأتي متزامنة مع استمرار الضغط العملياتي، فإنها تستحق القراءة باعتبارها مؤشرات على تحول القوة من مرحلة المبادأة إلى مرحلة الدفاع ومحاولة المحافظة على ما تبقى من قدراتها

إني من منصتي أنظر …. حيث آقول : في الحروب، قد يسبق صوت المقاتل المنهك صوت البيان العسكري، وقد تكون الكاميرا، من حيث لا يدري صاحبها، قد سجلت أول اعتراف بأن زمام المعركة لم يعد في يد من يحمل السلاح… بل في يد من يديرها باحترافية عالية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى