أبوعاقله أماسا يكتب: سداية ورضايه.. أسر المليشيا تهرب نحو المجهول

* هنالك مناظر شاهدتها إبان فترة الحرب في ولاية الجزيرة ستظل عالقة في الخيال ما حييت، خاصة منظر مواطني ود الماجدي وأم دقرسي وهم يزحفون على الأقدام إلى أبوعشر بعد إنتهاك المليشيا للقريتين، ومنظر أهلنا بالهلالية وقد كانوا يهربون من موت غامض داهمهم مع أوباش المليشيا، ثم مناظر أهلي في أبوعشر وهم يخرحون من بيوتهم يحملون مرضاهم على كوارو الحمير وبعض المسنين على (الدرداقات).. كانت وماتزال مشاهد مشحونة بالألم ترفض أن تبارح الذاكرة وتدخل عالم النسيان..!!
* قادة المليشيا ومرتزقتها من إعلاميين وسياسيين متحذلقين، لم يروا مناظر النزوح لأهلنا في قرى الجزيرة، والذين زج بهم في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ولم يصغوا للقصص التي تفطر القلوب عن خروج الأسر بأطفالها ونساءها والمسنين من بيوتها ليلاً نحو المجهول، لم يروا تلك الأسرة المكونة من رجل مسن وزوجته وبنتهم وأطفالها وهم يخرجون من ود الماجدي منتصف الليل ليدخلوا أبوعشر عند الصباح وقد نال منهم التعب والإعياء والجوع هرباً من بطش جنود المليشيا الذين كانوا يتسورون المنازل ويشهرون الأسلحة بحثاً عن الذهب والمال، ولم يروا أو يسمعوا بقرى شرق الجزيرة وهي تنزح على الأقدام نحو الفاو وحلفا الجديدة وشندي وأبودليق وهم لايلوون على شيء، فقط يطلبون الأمان..!!
* لم يسمع الباشا طبيق ومرتزقة السفارات والإمارات عن ثلاثة آلاف مواطن ماتوا في الهلالية بعد أن حبستهم المليشيا في خلاوي الشيخ الطيب ود المرين ومنعتهم من الوصول إلى النيل الأزرق للحصول على مياه الشرب، فماتوا بعد انتشار حالة تسمم غامضة، لكننا رأينا وعايشنا ووثقنا كل ذلك لكي تنقطع حجة من يريد أن يتحدث عن أية مشكلة سياسية أو عسكرية، فمن المفترض أن كل هذه القرى أعيان مدنية لاعلاقة لها بالحرب، وما كان لها أن تكون جزءً منه لولا همجية وحيوانية قيادة الدعم السريع التي دفعت بجنودها عن عمد لكي تصل قرى ومدن لايفهم مواطنيها في السياسة ولا يحلموا بالحكم.
* يقول أهلنا في الوسط: الدنيا دي سداية ورضاية، وهي مقولة شعبية ترجمتها بإختصار (كما تدين.. تدان)، والصورة المرفقة تظهر أسر التابعين للمليشيا ينزحون من مناطق المواجهات في شمال كردفان نحو المجهول في دارفور، والفرق بيننا وبينهم أن أهلنا نزحوا إلى أحضان الوطن الدافئة، ووجدوا الأيادي الرحيمة التي وفرت لهم المأكل والمشرب والملبس، بينما يهرب هؤلاء إلى مدن لا أحضان فيها دافئة ولا حارة، ولا أيادي رحيمة توفر لهم شيئاً يأكلونه، في مدن تعاني السهر مع الإنتهاكات والتخوين والتقتيل.. وأهلها يبحثون عن منافذ للهروب إلى أي مكان..!
* فعلاً.. الدنيا سداية ورضاية، وكما تدين تدان، وماتفعله في الآخرين تجده في نفسك.. كان ذلك خيراً أم شراً..!!
* حتى المدن التي أرادوا لها أن تكون ملاذات آمنة لهم دون الآخرين مثل الجنينة والضعين والمجلد وغيرها من الحواصن، بدأ مواطنوها يهربون منها إلى المجهول..

