مقالات

حاطب ليل.. دكتور عبد اللطيف البوني يكتب: الصندوق الأسود لسد النهضة

(1)

في المقالة السابقة قلنا إن ملس زيناوي عزم على تنفيذ سد النهضة لدواعٍ تنموية وسياسية، إذ قام بتعبئة الرأي العام القومي الإثيوبي للوقوف خلفه، باعتباره جسراً لعبور إثيوبيا نحو التقدم والانطلاق. وللحصول على التمويل من الصناديق الدولية والقطرية، كان لا بد له من توقيع اتفاقية مع مصر والسودان، كما ينص القانون الدولي للمياه.

مصر والسودان، من جانبهما، كانا يُقرّان بحق إثيوبيا في إقامة السد، ولكن الخلاف كان في حجم بحيرة السد، أي سعتها التخزينية. إثيوبيا طالبت بسعة 17 مليار متر مكعب، بينما أصرت مصر والسودان على 11 مليار متر مكعب.

(2)

حدثت تطورات سياسية كبيرة في المنطقة، وفي مصر والسودان على وجه الخصوص. إذ اجتاحت ثورة الربيع العربي مصر بعد تونس، فاضطربت الأوضاع فيها، واستقال الرئيس حسني مبارك، وتولى الأمر المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وتفجرت الصراعات السياسية الداخلية، وأقبلت البلاد على انتخابات برلمانية، ثم فاز محمد مرسي برئاسة الجمهورية عن جماعة الإخوان المسلمين، قبل أن يُطاح به قبل أن يثبت أقدامه. باختصار، بلغ عدم الاستقرار السياسي قمته، وربما تكون هذه هي المرة الأولى التي تشهد فيها مصر، في تاريخها القريب، هذه السيولة السياسية.

أما السودان، فقد شهد زلزالاً سياسياً بانفصال الجنوب، الذي جاء نتيجة استفتاء نُفذ بموجب اتفاقية نيفاشا، فذهبت إيرادات النفط بعيداً عن خزينة الخرطوم، وبدأ الصراع الحدودي بين الدولة القديمة والدولة الجديدة، كما تفجرت الأوضاع في دارفور.

استغل ملس زيناوي الأوضاع السياسية المتردية في البلدين، وانشغالهما بالتصدعات الداخلية، فأحضر آلياته وشرع في إقامة السد في الثاني من أبريل 2011 لإنتاج كهرباء تقدر بين خمسة وستة جيجاواط، بتكلفة تقدر بخمسة مليارات دولار يتم تدبيرها من الموارد الذاتية. أما حجم البحيرة وسعتها التخزينية، فهنا يجب السكوت.

(3)

إن لحظة البداية في إقامة السد تُعد لحظة مفصلية في تاريخ نهر النيل وتاريخ المنطقة، ولكن تم تبريدها بصورة مدهشة، حتى مرت وكأنها مجرد حفر قناة في مشروع قائم لري رقعة إضافية محدودة.

فهل كان في الأمر مؤامرة؟ وما حدث في مصر، على وجه التحديد، هل كانت له صلة بالسد؟

إذا اتفقنا على أن مصر تعتبر قيام هذا السد، بالحجم الذي تريده إثيوبيا، قضية حياة أو موت بالنسبة لها، فإن الرئيس مبارك اعتبر الأمر تحدياً شخصياً بالنسبة إليه، وأعلن أكثر من مرة أنه سيضرب، ولا يبالي، أي خطوة نحو بناء هذا السد.

كما أن توتر العلاقات بين مصر والسودان بصورة غير مسبوقة، هل حدث صدفة؟ فقد تمت استمالة السودان تماماً لصالح السد، وأُزيح كمال علي من وزارة الري، وجيء بوزير مؤيد لقيام السد، كما حدث تقارب إثيوبي سوداني بصورة غير مسبوقة، وكانت إثيوبيا سنداً للسودان في عزلته الدولية.

ومن الخبايا الأخرى أن تكلفة السد يُرجح أنها أعلى من المعلن بكثير، وأن إثيوبيا لا قبل لها بتحملها، ما يعني وجود مصادر تمويل غير معلنة، فما هي؟

كما أن المخالفة الإثيوبية لقانون المياه الدولية كانت سافرة، لكنها قوبلت باحتجاج خجول من جانب الولايات المتحدة والبنك الدولي، على طريقة ذر الرماد في العيون، بينما كانت نتائج الدعم من تحت الطاولة ملموسة على أرض الواقع.

إن طلاسم قيام سد النهضة تحتاج إلى الزمن حتى يتم تفكيكها، ولعل ما يجري الآن قد يفك جزءاً منها، ولكن حتماً سيتضح كل شيء للحي البعيش.

وللحديث بقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى