رواد الإعلام السوداني.. يسرية محمد الحسن.. المرأة التي صنعتها الإذاعة وخلّدها التلفزيون (1)

الخرطوم: إبراهيم الفكي
هناك أشخاص عملوا في الإعلام، وهناك من أصبحوا جزءاً من تاريخه.
تمر السنوات، وتتغير الشاشات، وتتبدل الأصوات، لكن تبقى أسماء قليلة، كلما ذُكرت عاد معها زمن كامل؛ زمن كانت فيه الكلمة أمانة، والميكروفون مسؤولية، والكاميرا لا تمنح مكانها إلا لمن يستحق.
ومن بين تلك الأسماء، يبرز اسم يسرية محمد الحسن، الإعلامية التي لم تلهث خلف الشهرة، بل ركضت الشهرة خلفها.
وُلدت بمدينة عطبرة عام 1954، وترجع جذور أسرتها إلى جريف نوري، حيث كان والدها مهندساً بالنقل النهري. وبين عطبرة والخرطوم تشكّل وعيها، فتلقّت تعليمها بمدرسة حلة حمد، ثم الكلية القبطية، قبل أن تتخصص في الإعلام من خلال دبلوم الإذاعة والتلفزيون بجمهورية مصر العربية، وتواصل دراساتها بجامعة الخرطوم.
لكن ما يثير الدهشة أن رحلتها الإعلامية لم تبدأ بعد التخرج، بل بدأت وهي طفلة.
في عام 1968، ظهرت في برنامج الأطفال بتلفزيون السودان، تحت رعاية الرائدة صفية الأمين، المعروفة بـ«ماما صفية»، لتتعلم مبكراً أن الإعلام لا يصنعه الصوت الجميل وحده، بل تصنعه الثقافة والانضباط واحترام عقل المشاهد.
ثم جاءت اللحظة التي غيّرت كل شيء.
لقاء عابر مع البروفيسور علي شمو، وزير الشباب والرياضة آنذاك، كان كافياً ليفتح أمامها أبواب تلفزيون السودان. خضعت للاختبارات واجتازتها، ثم تدربت عاماً كاملاً على أيدي عمالقة الإعلام، قبل أن تبدأ مسيرتها المهنية.
لكن المفارقة أن يسرية، بعد كل هذا الطريق إلى التلفزيون، اختارت أن تتركه بنفسها.
كانت تؤمن بأن الإذاعة هي المدرسة التي تصنع الإعلامي الحقيقي، فانتقلت إليها، وهناك نضجت تجربتها بين نشرات الأخبار والبرامج والربط الإذاعي، حتى أصبحت واحدة من أكثر الأصوات حضوراً واحتراماً.
ولهذا، لم يكن غريباً أن تردد دائماً:
«الإذاعة السودانية هي الجامعة التي تخرّج فيها الإعلاميون بكل تخصصاتهم».
غير أن القدر كان يكتب لها فصلاً آخر.
فبقرار من وزير الثقافة والإعلام إسماعيل الحاج موسى، عادت إلى شاشة التلفزيون، رغم أنها لم تكن ترغب في ذلك.
وكانت النتيجة أن سجّلت اسمها في التاريخ، عندما أصبحت أول مذيعة سودانية تقدم برنامجاً رياضياً، إلى جانب الإعلامي علي الريح، في خطوة كسرت حاجزاً ظل لسنوات حكراً على الرجال.
بعدها توالت النجاحات.
قدمت الأخبار والبرامج الثقافية والحوارية والسهرات، و«جريدة المساء»، و«سهرة مع النجوم»، وبرنامج «سجى الليل»، الذي ظل من أحب الأعمال إلى قلبها.
ولم تتوقف رحلتها عند حدود السودان، فقد عملت مع شبكة الأخبار العربية (ANN)، ثم مع إذاعة MBC FM، وأسهمت في نقل الصورة السودانية إلى الفضاء الإعلامي العربي.
ومن أبرز محطاتها المهنية تغطيتها لأحداث مصنع الشفاء عقب استهدافه، حيث كانت من أوائل الإعلاميين الذين وصلوا إلى الموقع، وأنجزت تغطية ميدانية مهمة، وأجرت مقابلة مباشرة مع رئيس الجمهورية، في واحدة من أبرز محطات عملها الصحفي.
لكن ربما لم يكن ذلك أعظم إنجازاتها.
فالإنجاز الحقيقي أنها لم تكتفِ بالنجاح الشخصي، بل أسهمت في إعداد جيل كامل من الإعلاميين.
تخرّج على يديها عشرات المذيعين والمذيعات الذين أصبحوا لاحقاً من أبرز نجوم الإذاعة والتلفزيون، لتثبت أن الإعلامي العظيم لا يُقاس فقط بما يقدمه، بل أيضاً بمن يسهم في إعدادهم وصناعة مستقبلهم المهني.
وهكذا، كلما ذُكر تاريخ الإعلام السوداني، حضرت يسرية محمد الحسن بوصفها أكثر من مجرد مذيعة.
حضرت باعتبارها مدرسة إعلامية، وذاكرة وطن، وصوتاً من الزمن الجميل، حين كانت المهنة رسالة، وكانت النجومية نتيجة طبيعية للإتقان، لا غاية تُطلب لذاتها.
في الحلقة القادمة، نفتح صفحة جديدة من صفحات الزمن الجميل، مع قامة أخرى من القامات التي صنعت وجدان السودانيين عبر الأثير والشاشة.

