من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: حاجبك المكحول غير دلال.. حاكى حرف النون والهلال!!

في محراب محبة الرسول صلي الله عليه وسلم ، لا تكون العبارات حروفاً مرصوصة، ولا يكون الشوق مجرد حنين فحسب، هناك لغة لا يفهمها إلا من ذاق حلاوة الوجد، وسلك دروب المحبين، وأدرك أن للقلب أبجديته التي تعجز عنها المعاجم، من هذا المقام تتسلل مدحة (كحيل المُقَل) ، كأنها نفحة من رياض المحبة، تحملنا من ضجيج الدنيا إلى سكينة الذكر، ومن ظمأ الروح إلى ينابيع الشوق المحمدي.
الشريف النادر جبار المكسورة كما يحلو تسميته لمريديه…. لا يكتب هنا كلمات مصنوعة ، بل ينسج نسيجاً صوفياً تتجاور فيه مفردات الغرام والحسرة والرجاء والتضرع، يبدأ من عتبة العشق: (كحيل المُقَل اعتَراني هواك) ! ثم يضعنا أمام عاشق استولى عليه الوجد، حتى أصبح النوم بعيداً، والراحة غائبة، والشوق ناراً لا تنطفئ، إنها لغة المحب الذي لم يعد يملك من أمر قلبه شيئاً، فصار قلبه أسير المحبة، وروحه معلقة بباب الرجاء.
بلاغة الشريف النادر تكمن في قدرته على تحويل الصورة البسيطة إلى مشهد وجداني عميق، حين يقول: (حاجبك المكحول غير دلال، حاكى حرف النون والهلال) ، فهو لا يصف جمالاً وصفاً مباشراً، وإنما يرسمه بالحرف والرمز، فحرف النون والهلال يتحولان إلى لوحة بصرية تختصر الأناقة والجمال في صورة واحدة، هنا تتجلى براعة التشبيه، حيث تتحول الحروف إلى ملامح، ويتحول الوصف إلى رسم بالكلمات
وفي قوله: (صدرك الدفاي يا الرحيم، معقل المحروم واليتيم)!، تتجاوز الصورة حدود الوصف إلى معنى الاحتواء والرحمة، الصدر هنا ليس مجرد ملامح، بل ملاذ للمنكسرين ومأوى للمحتاجين، ومكان يجد فيه المحروم دفء الرجاء، ثم تأتي صورة الكف المعطاء التي (خصّبت من بور لمحل)، وهي استعارة بديعة تنقلنا من الأرض الجدباء إلى الخصب، ومن اليأس إلى الأمل، في إشارة إلى فيض العطاء والبركة.
أما اللحن، فهو نهر آخر يجري بمحاذاة الكلمات، لا يسبقها ولا يتأخر عنها ، فيه شجن يوقظ الحنين، وانسياب يأخذ العبارة من حنجرة المادح إلى أعماق المستمع، تتكرر بعض الجمل كأنها حلقات ذكر موسيقية، وتعود اللازمة لتفتح باباً جديداً من أبواب الوجد، وهنا يكمن سر التشويق، فاللحن لا يكتفي بتزيين النص، بل يفك طلاسمه، ويكشف ما بين كلماته من أنفاس خفية ومشاعر مستترة.
وحين تتصاعد حرارة الشوق في الأبيات، نشعر بأن النغم يشاركها احتراقها، وحين تنكسر العبارة عند الحسرة والشكوى، يميل الإحساس اللحني إلى الشجن، إنها علاقة حميمة بين الكلمة والنغمة، تجعل كل واحدة منهما تفسر الأخرى، حتى يصبح اللحن ترجماناً لما عجز اللسان عن قوله.
المادح الطاهر محمد أحمد يحمل ملامح العاشق في حضرة المحبة، لا يتعامل مع الكلمات باعتبارها نصاً مطلوباً أداؤه، وإنما يمنحها من إحساسه ما يجعلها تنبض بالحياة، في صوته شجن، وفي مد الحروف مساحة من التضرع، وفي انتقالاته نبرة تشبه مناجاة المحب حين يفيض قلبه بما لا يستطيع كتمانه، إنه أداء لا يعتمد على جمال الصوت وحده، بل على القدرة على السكن داخل المعنى، واستحضار روحه قبل إطلاق حروفه،.
واللافت أن الطاهر لا يجعل الأداء صراخاً بالعاطفة، بل يمنح الشوق مساحته، ويترك للنغم أن يحمل ما تبقى من البوح، فتارة تشعر بأن الصوت يناجي، وتارة كأنه يشكو، وتارة يفيض فرحاً بالقرب الروحي، هذا التنوع هو ما يمنح المدحة مذاقها ويجعل المستمع يعود إليها وكأنه يسمعها للمرة الأولى.
إني من منصتي…. استمع … حيث اقول : (كحيل المُقَل) لقاء بين راوي يملك مفاتيح الصورة، ولحن يعرف كيف يوقظ المعنى من سكون الحروف، ومادح يسكب في صوته حرارة المحبة، ثلاثة أركان صنعت حالة إنشادية تتجاوز حدود الطرب إلى رحابة الوجدان ، إن المحبة المحمدية لا تحتاج إلى كثير من الكلام كي تعلن حضورها، يكفي أن تصدق النية، ويرق القلب، وتنطلق الصلاة على من جعل الله محبته نوراً في قلوب المحبين.

