«وعد النوار».. ساعة من الكتابة صنعت واحدة من روائع محمد الأمين

كسلا: هيثم موسى
في الحلقة الخامسة من برنامج «أماسي الحلنقي»، يأخذ الشاعر المرهف إسحاق الحلنقي متابعيه إلى واحدة من أجمل حكايات الأغنية السودانية، كاشفاً تفاصيل اللحظات التي ولدت فيها أغنية «وعد النوار»، التي تغنى بها الموسيقار الراحل محمد الأمين، وكتب كلماتها شاعر كسلا إسحاق الحلنقي.
الحكاية بدأت في إحدى أمسيات محمد الأمين، عندما زاره الحلنقي في منزله، وقضيا وقتاً في الونسة والضحك والقفشات. وبعد فترة، استأذن الحلنقي في المغادرة، بعدما كان أصدقاء قد حضروا من كسلا، وارتبط معهم بموعد سابق.
لكن محمد الأمين طلب منه البقاء، وقال له إنهم ينتظرون ضيوفاً مهمين، ويتمنى أن يلتقي بهم الحلنقي.
امتثل الحلنقي لرغبة صديقه، وانتظر معه.
مر الوقت، ولم يأتِ أحد.
ومع وصول الليل إلى منتصفه، كشف محمد الأمين للحلنقي سر الضيوف الذين كان ينتظرهم؛ كانوا أهل خطيبته، وكان قد ظل مترقباً وصولهم.
في تلك اللحظة، طلب محمد الأمين من الحلنقي أن يكتب له أغنية.
رفض الحلنقي في البداية، وقال له إنه لا يستطيع أن يتقمص دور الآخرين، فهذا إحساس محمد الأمين نفسه، وهو الأقدر على التعبير عنه، لأن التجربة تجربته والمشاعر مشاعره.
لكن إصرار محمد الأمين لم يتوقف.
وأمام إصراره، طلب الحلنقي ورقة وقلماً، وطلب من محمد الأمين أن يحضر العود ويعزف بعض المقطوعات، حتى يدخل في «المود» المناسب للكتابة.
أحضر محمد الأمين العود، وبدأ العزف.
وأمسك الحلنقي بالقلم.
وبدأت الكلمات تتدفق.
في نحو ساعة واحدة، اكتملت كلمات الأغنية، التي جاءت مشبعة بإحساس الانتظار والاشتياق والعتاب. وتبدأ بصوت عاشق طال انتظاره:
«ياريت من أول وريتنا إنك يمكن تتأخر يوم
كان غايتو إطمنّا شويه وبحرك ياليل ما طفنا نجوم»
ثم يتصاعد الإحساس مع طول الانتظار، حتى تأتي واحدة من أكثر مقاطع الأغنية تعبيراً عن الترقب:
«مرت لحظات وكمان ساعات طالت وحياتك منتظرين
لو وشوش صوت الريح في الباب
يسبقنا الشوق قبل العينين»
ويقول الحلنقي إنه من عادته ألا يقرأ الأغنية إلا بعد أن يتأكد منها، لكنه بدأ القراءة أمام محمد الأمين، حتى وصل إلى هذا المقطع.
عندها قال محمد الأمين للحلنقي:
«هذه أغنيتي تماماً».
كانت تلك اللحظة هي لحظة ميلاد «وعد النوار»؛ إحساس عاشه محمد الأمين، وكلمات صاغها الحلنقي، ولحن حمل بصمة الموسيقار الراحل.
وتواصلت الأغنية مع ذلك الإحساس، مستحضرة العيد الذي جاء بالناس ولم يأتِ معه المنتظر، قبل أن تصل إلى خاتمتها التي تحمل اسمها وصورتها الأبرز:
«شال النوار ظلل بيتنا
من بهجة وعدك ماجيتنا
وفضلنا وحاتك منتظرين
شوف وين روحتنا وديتنا… وين»
ويضيف الحلنقي أن محمد الأمين شرع في تلحين الأغنية، وبعد يومين عاد إليه، ليجدها قد أصبحت عملاً مكتملاً وجاهزاً.
هكذا، وفي ليلة امتدت فيها الونسة والانتظار، وبين عود محمد الأمين وقلم إسحاق الحلنقي، خرجت إلى الحياة أغنية «وعد النوار»؛ واحدة من الروائع التي تغنى بها محمد الأمين، وكتبها شاعر كسلا المرهف إسحاق الحلنقي.
قصة لم تبدأ بموعد مع كتابة أغنية، ولم يكن في حساب أصحابها أن تلك الساعات القليلة ستصنع عملاً يبقى في ذاكرة الناس؛ لكنها بدأت بانتظار ضيوف تأخروا، وانتهت بموعد جديد مع الأغنية السودانية.

