مقالات

دولة القانون.. د. عبد العظيم حسن المحامي يكتب: الحوار وإن طال السفر (9)

كثيراً ما يُقال إن السودان يحتاج إلى قيادة من كفاءات، لكن السؤال الأهم ليس: هل نحتاج إليها؟ بل: كيف نختارها، ومن يملك حق تعريف الكفاءة؟ فالكفاءة، إذا لم تستند إلى معايير واضحة ومعلنة، قد تتحول إلى شعار جميل يخفي المحاصصة، ويخرج منه البعض من الباب ليعود من النافذة تحت اسم الخبرة أو الاستقلال. والمطلوب ليس إنشاء حزب جديد باسم الكفاءات، ولا استبدال المحاصصة الحزبية بمحاصصة مهنية، وإنما بناء آليات موضوعية وشفافة لاختيار القادرين على إدارة الانتقال الذي يعقب الثورة أو الحروب أو مافي حكمهما من حالات استثنائية.

ولذلك ينبغي تحديد معايير معلنة للكفاءة والخبرة والنزاهة والاستقلال، مع فتح باب الترشيح، بقدر الإمكان، أمام مصادر متعددة، تشمل الجامعات والنقابات والهيئات المهنية والجاليات والمؤسسات المتخصصة والأفراد. كما يمكن الاستفادة من التقنيات الحديثة في إنشاء قواعد لتسجيل الكفاءات داخل السودان وخارجه، وإتاحة أوسع مجال للمشاركة في التعرف إلى أصحاب القدرات المؤهلة. غير أن التقنية، مهما اتسعت إمكاناتها، لا تغني عن التحقق والتدقيق؛ فالتصويت الإلكتروني لا يمنع وحده الحسابات الوهمية، والمنصات الرقمية لا تصل إلى جميع المناطق والشرائح بالقدر نفسه.

للمستقلين والمهنيين والنقابيين دور مهم في بناء الدولة، لكن هذا الدور لا ينبغي أن يتحول إلى استحقاق تلقائي للمناصب. فالوظيفة العامة يجب أن تكون للأصلح، لا للأكثر صخباً، ولا للأكثر تنظيماً، ولا لمن يملك واجهات أكثر. والكفاءات الحقيقية لا تخشى المعايير الواضحة ولا الإفصاح ولا المنافسة العادلة. فالسودان لا يحتاج إلى مجرد تغيير أسماء النخب، بل إلى تغيير الطريقة التي تُختار بها السلطة والخدمة العامة.

الخرطوم 21 سبتمبر 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى