منوعات

عجائب وغرائب.. خليل فتحي خليل يكتب: بفعل الجهلاء.. الفن في السودان يصل إلى مرحلة الحضيض

في زمانٍ مضى، كان الغناء السوداني أشبه بالنهر العذب، ينساب في هدوء إلى الوجدان، يحمل معه رائحة الطين بعد المطر، وصوت السواقي، وحنين الأمهات، ووجع العشاق، وكبرياء الوطن.
كان الفنان يدخل إلى القلوب من بوابة الإبداع الحقيقي، لا بالصخب، ولا بالضجيج، ولا بالحركات المفتعلة. كان الفن رسالة، وكانت الأغنية قصيدة تمشي على قدمين.

أما اليوم، فقد أصبح المشهد الفني في السودان أشبه بسوقٍ مكتظ بالفوضى والضجيج.

كتف الغناء “مايل”، كما يقول أهلنا، وانكسرت الموازين حتى صرنا نسمع كلمات لا تشبه السودان، ولا تشبه ذوق أهله، ولا تمت بصلة لذلك الإرث العظيم الذي تركه العمالقة.

دخلت إلى الغناء مفردات غريبة، سطحية، هابطة، بلا روح ولا معنى.
أغانٍ تُصنع على عجل، وكلمات تُكتب بلا إحساس، وألحان متشابهة كأنها خرجت من قالب واحد.

أصبح بعض من يحملون لقب “فنان” أو “فنانة” لا يملكون من الفن سوى المظهر، أما الجوهر فقد غاب تماماً.

صرنا نرى على المنصات أصواتاً متعبة، وحضوراً مصطنعاً، وحركات أقرب إلى التهريج منها إلى الإبداع، وكأن الفن السوداني العظيم قد أُصيب بحالة من التيه والضياع.

ما هكذا يكون التطور.
فالتطور الحقيقي لا يعني أن نهدم الجمال القديم لنستبدله بالركاكة، ولا يعني أن نقتل الذوق العام بحجة الحداثة والانفتاح.

التطور أن نحافظ على الجذور ونحن نصنع الجديد، لا أن نقتلع الشجرة كلها ثم نتباهى بالأغصان اليابسة.

السؤال المؤلم الذي يفرض نفسه اليوم:

هل عقرت حواء السودان حقاً عن إنجاب المبدعين الحقيقيين؟
هل انتهى زمن الأصوات الأصيلة، والكلمة الرصينة، واللحن الذي يعيش لعشرات السنين؟

بالطبع لا.
فالسودان ما زال ولوداً بالمواهب، وما زالت أرضه مليئة بالمبدعين الحقيقيين، لكن المشكلة أن الضوضاء أصبحت أعلى من الصوت الجميل.

الرداءة أصبحت تُسوَّق بكثافة، بينما يُحارب الفن الحقيقي بالإهمال والتجاهل.
إن ما يحدث اليوم ليس أزمة غناء فقط، بل أزمة ذوق وثقافة ووعي.
حين يهبط الفن، يهبط معه الإحساس العام بالجمال، وحين يصبح الابتذال هو الطريق الأسرع للشهرة، فإن الأجيال الجديدة ستنشأ وهي تظن أن هذا هو الفن الحقيقي.

لقد كان الفنان السوداني في الماضي يحمل قضية، ويحترم جمهوره، ويجتهد في الكلمة واللحن والأداء.

أما الآن، فقد أصبح بعضهم مجرد “روبوتات” تتحرك بلا روح، تكرر نفس الإيقاعات، ونفس الكلمات، ونفس الاستعراضات الفارغة، وكأنهم دمى تُدار بالريموت كنترول.
الفن السوداني لا يستحق هذا المصير.

ففن الحقيبة، وإبداع الكاشف، وعثمان حسين، ووردي، وزيدان، ومحمد الأمين، وأبو عركي، وغيرهم من القامات، أكبر من أن يتحول إلى هذا المشهد المرتبك الذي نراه اليوم.

نحن لا نحارب الشباب، ولا نقف ضد التجديد، فلكل زمان لغته وأدواته، ولكننا ضد الإسفاف، وضد قتل الذوق العام، وضد تحويل الفن إلى سلعة رخيصة بلا رسالة ولا قيمة.

لابد من وقفة حقيقية…

وقفة من الفنانين الجادين، ومن الشعراء، والملحنين، والإعلام، والجمهور نفسه.

لابد من إعادة الاعتبار للكلمة الجميلة، واللحن المحترم، والصوت الحقيقي.

لابد أن يعود الفن السوداني إلى مكانه الطبيعي، فناً يشبه هذا الشعب العظيم، لا فناً مشوهاً مترهلاً فاقد الهوية.

فالأمم تُعرف بفنونها، وحين ينهار الفن، ينهار جزء كبير من روح الوطن.
وسيظل السؤال قائماً:

متى يعود الغناء السوداني كما كان…
جميلاً، راقياً، يشبه النيل، ويشبه السودان؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى