مقالات

علي بوسف تبيدي يكتب: كردفان تفتح الطريق إلى دارفور .. والنيل الأزرق عنوان الصمود

في ميادين القتال ، لا تُقاس التحولات العسكرية بعدد المواقع التي تُستعاد فحسب ، بل بما تتركه من أثر في ميزان القوة، وما تفتحه من آفاق أمام استعادة الدولة لهيبتها ووحدتها ومن هذا المنطلق ، تبدو التطورات المتسارعة في محاور كردفان ، بالتزامن مع صمود القوات المسلحة في النيل الأزرق ، مؤشراً على مرحلة جديدة من المواجهة ، تتجاوز حدود الجغرافيا إلى مستقبل السودان بأكمله ففي كردفان ، تتوالى مؤشرات التقدم العسكري، مع استعادة مناطق استراتيجية في شمال الولاية ، والتحركات المتواصلة في محاور غرب كردفان.
ويأتي تحرير كازقيل وأبو قعود ليعزز هذا المسار ، ويمنح العمليات العسكرية زخماً إضافياً ، خاصة أن المنطقة تمثل بوابة مهمة نحو عمق دارفور.

إن أهمية كردفان لا تنبع فقط من اتساع رقعتها الجغرافية ، وإنما من موقعها الذي يربط وسط السودان بغربه ، ويجعلها نقطة ارتكاز أساسية في معادلة الحرب.

فالتقدم عبر محاورها يعني تضييق المساحات المتاحة أمام قوات الدعم السريع الإرهابية ، وإضعاف قدرتها على الحركة والإمداد ، وفتح خيارات ميدانية أوسع أمام القوات المسلحة والقوات المساندة لها.
وفي تقديري فان التوجه نحو دارفور ، في هذا السياق ، لا يمثل مجرد هدف عسكري ، بل يحمل دلالات تتصل بوحدة البلاد واستعادة مؤسسات الدولة. فدارفور ، التي عانت طويلاً من ويلات الحرب ، تحتاج إلى واقع جديد ينهي حالة الانقسام ، ويعيد الأمن والاستقرار إلى مدنها وقراها ، ويضع حداً لمعاناة المدنيين.

وفي النيل الأزرق ، تتجلى صورة أخرى من صور الصمود. فالإقليم ، بما يمتلكه من خصوصية جغرافية وحدودية ، ظل ساحة لمواجهات معقدة، حاولت خلالها القوات المعادية توسيع نطاق العمليات والضغط على مواقع الجيش.

غير أن القوات المسلحة تواصل أداء واجبها في الدفاع عن الإقليم ، والتصدي للهجمات ، والحفاظ على المواقع الحيوية ، رغم التحديات الكبيرة التي تفرضها طبيعة المنطقة.

أعتقد أن صمود الجيش في النيل الأزرق ، إلى جانب تقدمه في كردفان ، يؤكد أن القوات المسلحة تخوض معركة متعددة الجبهات ، تتطلب قدراً عالياً من التنسيق والمرونة والقدرة على إدارة العمليات.
كما يعكس أن المعركة لا تزال مفتوحة ، وأن التحولات الميدانية قد تحمل في طياتها فرصاً جديدة لاستعادة السيطرة وتأمين المناطق المتأثرة بالحرب.

ولكن الانتصارات العسكرية ، مهما كانت أهميتها ، ينبغي أن تكون مدخلاً إلى استعادة الحياة ، لا مجرد محطة في مسار القتال فالمواطن السوداني ينتظر أن تتحول هذه المكاسب إلى أمن ملموس، وعودة للخدمات ، وفتح للطرق ، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم.

إن كردفان ، وهي تفتح الطريق نحو دارفور ، وهي تصمد أمام محاولات الاختراق ، تمثلان معاً اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على استعادة زمام المبادرة.

ومع كل تقدم ميداني ، تتجدد الآمال في أن تنتهي الحرب ، وتعود البلاد إلى مسار البناء والتعافي.

فالسودان لا يحتاج إلى انتصار يوقف صوت المدافع فحسب ، بل إلى انتصار يعيد للدولة وحدتها ، وللمواطن كرامته وأمنه ، ويؤسس لسلام حقيقي لا يترك أسباب الحرب قائمة ، ولا يسمح بتكرار المأساة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى