محمد عثمان الرضي يكتب: الثعبان الذي يحرس الصمت… يومٌ بين القبور في مقابر السكة حديد ببورتسودان

ليست كل الرحلات تُقاس بالمسافات، فبعضها يبدأ بخطوة نحو المقابر، وينتهي بمراجعة الإنسان لحساباته مع الدنيا. وهناك، حيث يصمت كل شيء إلا الموعظة، يصبح للمكان حديثٌ لا تسمعه إلا القلوب.
في مدينة بورتسودان تقف مقابر السكة حديد شاهدةً على عقود طويلة من التاريخ، تستقبل الأحياء زائرين، وتحتضن الراحلين في سكينة لا يعكرها سوى وقع الأقدام والدعوات الصادقة.
هذه المقابر ليست مجرد بقعة لدفن الموتى، بل سجل مفتوح يحفظ أسماء رجال ونساء تركوا بصماتهم في خدمة الوطن والمجتمع، قبل أن يطويهم التراب.
تحت ترابها يرقد المئات من أبناء بورتسودان والسودان، ومن بينهم شخصيات عامة ورموز خدمت البلاد، فأصبحت مساكنهم الأخيرة متجاورة، بعدما فرقتهم المناصب والألقاب في الدنيا.
أمام القبور تتلاشى الفوارق كلها؛ فلا سلطان يبقى سلطاناً، ولا غني يبقى غنياً، ولا جاه يصمد أمام الحقيقة الكبرى التي يلتقي عندها البشر جميعاً.
كان دليلي في هذه الرحلة رجل البر والإحسان محمد الحسن ميرغني، رئيس لجنة مقابر السكة حديد، الذي يعرف تفاصيل هذا المكان كما يعرف المرء تفاصيل منزله.
لم يأتِ ميرغني إلى هذا العمل مصادفة، وإنما ورثه عن والديه اللذين أفنيا حياتهما في تغسيل الموتى وتجهيزهم وتكفينهم ابتغاء وجه الله، دون انتظار جزاء أو شكور.
بعض المهن تُورث مالاً، أما هذه الأسرة فقد ورثت رسالة، ورسخت معنى أن خدمة الإنسان لا تنتهي عند آخر أنفاسه.
سكان حي السكة حديد يقدمون نموذجاً نادراً في التكافل؛ يحفرون القبور، ويستقبلون الجنائز، ويقفون إلى جوار أهل الفقيد متطوعين، محتسبين الأجر عند الله.
في زمن أصبحت فيه المادة تطغى على كثير من العلاقات، تظل هذه الصور الإنسانية دليلاً على أن الخير لا يزال متجذراً في نفوس السودانيين.
قضيت يوماً كاملاً داخل المقابر بصحبة محمد الحسن ميرغني، وكان كل قبر يحمل حكاية، وكل زاوية تروي سيرة إنسان رحل وترك أثراً.
لم يكن حديثه عن الموت باعثاً على اليأس، بل كان يوقظ في النفس معنى الاستعداد للقاء الله، ويذكر بأن الدنيا مهما طالت فإن نهايتها حفرة لا تتجاوز أمتاراً قليلة.
أكثر ما شد انتباهي أن الرجل يشعر براحة نفسية عجيبة وهو بين القبور، ويقول إن هذا المكان يجدد صلته بالله ويذكره بحقيقة الحياة.
وربما لهذا السبب يحرص على اصطحاب محبيه وأصدقائه إلى المقابر، لا للتشاؤم، وإنما ليشاركهم لحظات من التأمل والاتعاظ.
فزيارة القبور ليست استعراضاً للأحزان، وإنما مدرسة تربي القلب على الزهد، وتعلم الإنسان أن العمر مهما امتد فإنه محدود.
وبينما كنت أتأمل المكان، قادني الحديث إلى قصة يرددها كثير من رواد المقبرة.
هناك ثعبان، كما يقولون، اعتاد الإقامة داخل أحد القبور، ولا يغادره إلا لفترات قصيرة، ثم يعود إليه مرة أخرى.
أصبح هذا المشهد لغزاً يثير فضول كل من يسمع به أو يشاهده، حتى تحول إلى واحدة من أكثر الحكايات تداولاً بين زوار المقبرة.
لا أحد يعرف منذ متى بدأ ظهوره، ولا أحد يجزم بسبب بقائه في ذلك الموضع تحديداً.
والأهم من ذلك، لا توجد معلومات مؤكدة عن صاحب القبر، ولا يوجد ما يربط بين وجود الثعبان وبين أي دلالة تتجاوز كونه ظاهرة طبيعية لم يُعرف تفسيرها.
لذلك ينبغي أن تبقى مثل هذه القصة في إطار ما شوهد ورُوي، دون بناء استنتاجات أو أحكام لا تستند إلى دليل.
فالموت له هيبته، والقبور لها حرمتها، والغيب لا يعلمه إلا الله، وما خفي عن الناس لا يجوز أن يتحول إلى يقين بمجرد الروايات.
ولعل أعظم ما تعلمته في تلك الجولة أن الإنسان لا يحمل معه إلى قبره إلا عمله الصالح، أما ما عداه فيبقى خلفه.
وفي أركان المقبرة جنود مجهولون يقدمون الدعم المالي واللوجستي بصمت، لا يبحثون عن صورة، ولا ينتظرون شكراً، وإنما يرجون ما عند الله.
هؤلاء هم الذين يؤكدون أن الخير الحقيقي هو الذي يُنجز بعيداً عن الأضواء، وأن أعظم الصدقات ما كان خالصاً لله.
كانت المقبرة هادئة على نحو يدعو إلى التأمل، وكأنها تهمس لكل زائر: خفف من خصوماتك، وأصلح ما بينك وبين ربك، فما بينك وبين هذا المكان أقرب مما تتصور.
خرجت من هناك وأنا أكثر يقيناً بأن الإنسان مهما علا شأنه، فإن خاتمته إلى هذا التراب، وأن البقاء ليس للأسماء، بل للأعمال.
رحم الله كل من يرقد في تلك المقابر، وجزى خير الجزاء كل من يسهر على خدمتها، ويعين أهلها، ويواسي المفجوعين في أصعب لحظات حياتهم.
أما محمد الحسن ميرغني، فإنه يقدم نموذجاً لرجل اختار أن يجعل خدمة الموتى رسالة عمر، وأن يواصل درباً بدأه والداه، فأصبح اسمه مقترناً بالعطاء الصامت والعمل المخلص.
ويبقى الدرس الأكبر الذي خرجت به من مقابر السكة حديد ببورتسودان أن القبور ليست نهاية الحكاية، وإنما بدايتها الحقيقية؛ فمن أحسن الزاد اطمأن في رحلته، ومن غفل عن آخرته فلن تنفعه الدنيا حين يُوارى تحت التراب، {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}.

