مدارات.. عوض عباس يكتب: المغرب… حين تغيّر إفريقيا قواعد اللعبة

لم يكن انتصار المغرب على هولندا في مونديال 2026 مجرد نتيجة في سجل بطولة، بل كان إعلاناً جديداً بأن كرة القدم العالمية دخلت مرحلة مختلفة، تتراجع فيها هيمنة المدارس التقليدية لصالح قوى جديدة تعرف كيف تستثمر في الإنسان قبل أن تستثمر في الملاعب.
ما فعله “أسود الأطلس” ليس مفاجأة لمن تابع رحلة المنتخب منذ مونديال قطر 2022، حين أصبح أول منتخب إفريقي وعربي يبلغ نصف نهائي كأس العالم. ذلك الإنجاز لم يكن صدفة عابرة، وإنما كان بداية مشروع كروي متكامل، جاءت بطولة 2026 لتؤكد أن المغرب لم يعد يطارد الكبار، بل أصبح واحداً منهم.
الصحافة العالمية رأت في الفوز على هولندا أكثر من مجرد مفاجأة. صحف أوروبية وأمريكية وصفت المغرب بأنه منتخب يجمع بين الانضباط التكتيكي والجرأة الهجومية، وأنه نجح في تحويل تنوع لاعبيه وخبراتهم الأوروبية إلى قوة وطنية موحدة. كما اعتبرت أن المدرسة المغربية أصبحت نموذجاً تحتذي به المنتخبات الصاعدة، بعدما أثبتت أن التخطيط طويل المدى قادر على تقليص الفجوة مع القوى التقليدية.
في المقابل، كشفت خسارة هولندا أن التاريخ وحده لا يفوز بالمباريات. امتلاك دوري قوي ولاعبين في أكبر الأندية الأوروبية لم يعد ضماناً للتفوق، إذا غابت المرونة التكتيكية وسرعة التكيف مع إيقاع كرة القدم الحديثة. فالمغرب لعب بثقة المنتصر، بينما لعبت هولندا بثقل الماضي.
صعود الكرة الإفريقية لم يعد شعاراً عاطفياً، بل حقيقة تدعمها الأرقام والنتائج. فقد أصبحت القارة تمتلك أكاديميات متطورة، واستثمارات متزايدة في البنية التحتية، وجيلاً من اللاعبين الذين يتلقون تكوينهم في أفضل المدارس الأوروبية، إلى جانب اتحادات بدأت تدير اللعبة بعقلية المؤسسات لا بعقلية المناسبات. كما أن الاحتكاك المستمر بالدوريات الكبرى منح اللاعبين الأفارقة شخصية تنافسية جعلتهم يدخلون المباريات أمام عمالقة العالم بلا رهبة.
المغرب اليوم لا يمثل نفسه فقط، بل يمثل قارة كاملة تبحث عن مكانها الطبيعي في قمة الهرم الكروي. وما تحقق في الدوحة قبل أربع سنوات، ثم تأكد في ملاعب الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، يقول إن ميزان القوة في كرة القدم لم يعد ثابتاً، وإن إفريقيا لم تعد ضيفاً على المونديال، بل شريكاً في صناعة مستقبله.
مدار أخير
بلادُنا تمشي على جمرِ الأسى… وتضمُّ في كفِّ الرجاءِ شتاتَها
وغداً سيورقُ من رمادِ جراحِها… وطنٌ يعيدُ إلى القلوبِ ثباتَها.

