رياضة

مدارات.. عوض عباس يكتب: المونديال يحرج الكبار

في كل نسخة من كأس العالم يدخل الأوروبيون البطولة وكأن الكأس سُجلت بأسمائهم مسبقاً، بينما يُطلب من العرب والأفارقة والآسيويين الاكتفاء بالتصفيق للمشهد. لكن مونديال المكسيك وكندا والولايات المتحدة قرر أن يبعثر هذه القناعة منذ الجولة الأولى.

السعودية وقفت بشجاعة أمام أوروغواي وانتزعت تعادلاً بطعم الانتصار، وقدمت مباراة بطولية أكدت أن المنتخب الذي يمتلك الشخصية لا يخشى التاريخ ولا الأسماء. هدف العمري لم يكن مجرد كرة سكنت الشباك، بل رسالة فنية تقول إن الإبداع لا يحمل جنسية محددة.

مصر بدورها أحرجت بلجيكا وفرضت احترامها على لوكاكو ودي بروين، بينما منح حسام حسن فريقه روحاً قتالية جعلت الفراعنة يلعبون بثقة الكبار.

المغرب واصل كتابة فصول الحكاية الجميلة بتعادله مع البرازيل، وكأنه يؤكد أن إنجاز قطر 2022 لم يكن صدفة عابرة، بل بداية مدرسة جديدة في الكرة العربية. قطر خرجت بنقطة مستحقة أمام سويسرا وأثبتت أنها لا تزال تملك شخصية المنافس، أما تونس فكانت خارج السرب بخسارة ثقيلة أمام السويد، لتدفع ثمن أخطاء لا يرحمها المونديال.

ومن أجمل ظواهر البطولة أن الفارق بين “المنتخب الكبير” و”المنتخب الصغير” بدأ يذوب مع كل مباراة. لم تعد الأسماء اللامعة تكسب المباريات وحدها، ولم يعد التاريخ يسجل الأهداف، بل أصبحت الكلمة الأولى والأخيرة للعطاء والانضباط والشجاعة. الجماهير العربية والإفريقية سرقت الأضواء في المدرجات، والمفاجآت حضرت مبكراً، فيما خرج أكثر من مدرب أوروبي يعترف بأن كرة القدم لم تعد تعترف بالتصنيفات القديمة. أوروبا التي اعتادت فرض هيبتها تبدو أقل إقناعاً، بينما تتحرك منتخبات آسيا وإفريقيا بثقة أكبر وإيمان متزايد بأنها لم تعد ضيوف شرف في المونديال.

ومع ذلك، فإن الحكمة تفرض شيئاً من التريث. فالجولة الأولى قد تبتسم للجميع، لكن الأدوار الإقصائية لا تعترف إلا بمن يملك الجودة والاستمرارية. السؤال الذي ينتظر الإجابة هو: هل نشهد ولادة عصر جديد تتراجع فيه الهيمنة الأوروبية لصالح العرب والأفارقة والآسيويين، أم أنها مجرد حرارة بداية سرعان ما تنخفض مع اشتداد المنافسة؟ المؤكد أن مونديال 2026 بعث رسالة واضحة إلى العالم: لا أحد يفوز بالاسم، ولا أحد يخسر لأنه قادم من قارة أخرى. وفي كرة القدم، كما في الحياة، من يحترم الملعب… يحصد احترام العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى