مقالات

من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: بَغِير عليهو من رُوحِي !

بعض الأغنيات تدخل من باب السمع، ثم تبحث لها عن مكان في القلب، وحين تستقر هناك يصبح من الصعب إخراجها و(دلال) واحدة من تلك الأغنيات التي كلما استعادها المستمع، استعاد معها زمناً كاملاً من الرومانسية السودانية،

كتب بابكر عبد الرحمن نصاً يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه في داخله مشحون بالإحساس

لم يتكلف الشاعر في مفرداته، ولم يذهب بعيداً في الصور الغامضة، وإنما أمسك بمشاعر العاشق كما هي: حب، واشتياق، وغيرة، وسهد، وانتظار،

لكن العبارة التي تختصر عبقرية النص ربما هي: (بغير عليها من روحي)!.

أي حب هذا الذي يجعل العاشق يغار على محبوبته حتى من نفسه؟!
إنها مبالغة شعرية، لكنها من تلك المبالغات التي لا تبدو غريبة على القلب، لأن العاشق حين يبلغ أقصى درجات التعلق لا يعود يبحث عن المنطق، تصبح المحبوبة جزءاً من كيانه، ويصبح الخوف عليها خوفاً من فقدان شيء من ذاته.

هنا جمال البلاغة في النص، صورة واحدة تختصر عالماً كاملاً من التعلق، لا يحتاج الشاعر إلى عشرات الصفحات ليقول لنا إن هذا الرجل عاشق حتى النخاع، فالجملة وحدها تكفي.

ثم إن كلمات( دلال) لا تتعامل مع الحب باعتباره فرحاً فقط، بل تضع إلى جواره ذلك الحزن الجميل الذي كان أحد أسرار الأغنية السودانية القديمة، هناك انتظار، وهناك عتاب، وهناك قلب يحاول أن يتجلد، لكنه يعود في كل مرة إلى النقطة ذاتها: الحبيبة.

أما صالح الضي، فلم يكن أمامه نص عادي حتى يصنع له لحناً فخسب بل أخذ الكلمات إلى منطقة موسيقية شديدة العذوبة، وجعل اللحن يتحرك بانسياب يشبه حركة الذكرى في داخل الإنسان ، لا يفرض نفسه على النص، ولا يستعرض عضلاته الموسيقية، بل يترك للكلمة أن تتنفس، وللإحساس أن يصل في هدوء، .

هنا تظهر موهبة صالح الضي الحقيقية، في قدرته على جعل اللحن خادماً للإحساس ، الموسيقى عنده ليست خلفية للصوت، وإنما شريك في صناعة الحالة، تسمع المقدمة، ثم يدخل صوته، فتشعر أن الأغنية لم تبدأ الآن، وإنما كانت موجودة في مكان ما داخل ذاكرتك وانتظرت فقط أن يوقظها

ثم يأتي صوته… يا لهذا الصوت!،صوت صالح الضي لم يكن من الأصوات التي تحتاج إلى الصراخ حتى تُسمع، كان يمتلك تلك العذوبة التي تجعل النبرة الهادئة أكثر تأثيراً من آلاف الخطب، فيه شجن، وفيه حنان، وفيه مسحة حزن لا تُثقل الأغنية، بل تمنحها عمقها

كان يغني الكلمة وكأنه يزنها قبل أن يطلقها، ويترك بعض الحروف تتمدد في فضاء اللحن، فتشعر أن الصوت نفسه أصبح جزءاً من المعنى.
ولهذا تبدو (دلال) حين يغنيها صالح الضي وكأنها ليست أغنية يؤديها مطرب، وإنما رسالة عاطفية يبعث بها عاشق إلى حبيبته.
وما تمثله هذه الأغنية في وجدان المستمع السوداني أكبر من كونها أغنية عاطفية قديمة، إنها قطعة من ذاكرة زمن كامل ، زمن كانت فيه الأغنية تستطيع أن تصنع حالة حب من كلمات قليلة، وأن تجعل المستمع يتوقف عند بيت واحد، ثم يعيده في سره كأنه يخصه وحده.

(دلال) تذكّرنا بأن الأغنية السودانية لم تكن دائماً تبحث عن الضجيج حتى تُسمع، ولا عن التعقيد حتى تبدو عميقة ، كانت تعرف أن الصدق وحده يكفي، وأن الكلمة الجميلة حين تجد اللحن المناسب والصوت المناسب يمكن أن تعيش عقوداً، وتظل قادرة على تحريك القلب كما لو أنها كُتبت بالأمس.

سر بقاء هذه الأغنية هو … كل جيل يجد فيها شيئاً منه، عاشقاً ينتظر، أو قلباً يغار، أو إنساناً حاول أن ينسى فلم يستطع وهكذا تتحول الأغنية من عمل فني إلى ذاكرة شخصية ، كل مستمع يضع فيها حكايته الخاصة.

ومن أعلى المنصة أستمع … فأرى أن بعض الأغنيات لا تشيخ، لأنها لم تُكتب للأذن وحدها، وإنما كُتبت للقلب، (دلال) واحدة منها، كلما مرت السنوات عليها، ازداد لمعانها… وكأن الزمن نفسه يغار عليها من النسيان!..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى