مقالات

من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: حان الوقت أن تكون…. أنت الأهم!

أقسى أنواع الخذلان أن تكتشف أنك كنت آخر شخص تفكر فيه، وأنك أنفقت أجمل سنوات عمرك في ترميم قلوب الآخرين، بينما قلبك كان يتصدع بصمت! أن تمنح بلا حساب، وتعذر بلا حدود، وتنتظر من لا يأتي، ثم تكتشف فجأة أنك كنت تحتاج إلى كل ذلك الحنان الذي وزعته على الآخرين، هنا لا يكون القرار بالابتعاد عن الناس فحسب، بل بالعودة إلى نفسك… ومن هذه المنطقة الموجعة تولد أغنية (نفسي الأهم) بصوت الأمير الشاب المبدع عصمت بكري، كلمات وألحان عماد الدين الطيب.

هذه الأغنية ليست مجرد شكوى عاطفية من قسوة الآخرين، بل مراجعة حسابات مع الذات، واعتراف متأخر بأن الإنسان قد يكون أحياناً شريكاً في إهدار حق نفسه، حين يبالغ في العطاء لمن لا يعرفون قيمة ما يُمنح لهم.

جمال النص يبدأ من عنوانه (نفسي الأهم) !! ، وهي عبارة قصيرة لكنها تحمل فلسفة كاملة، ليست دعوة للأنانية، وإنما إعلان عن استعادة الكرامة العاطفية، وإعادة ترتيب الأولويات بعد سنوات من التنازلات ، يقول الشاعر عماد الدين الطيب:
(ما باقي زول أشكيلو هم وأبكيهو بي دمعاتي دم وأنا تاني من اللحظة دي حابقي عند نفسي الأهم).

هنا تتجلى قوة الكتابة، فالمفردات بسيطة، لكنها مشحونة بإحساس ثقيل، لا توجد محاولة للتفلسف أو استعراض المفردات، وإنما وجع يتحدث بلغته الطبيعية، والانتقال من الشكوى إلى اتخاذ القرار هو أجمل ما في هذا المطلع، فبعد أن تنتهي الحيلة مع الآخرين، تبدأ المصالحة مع النفس.

في المقطع الثاني يضع الكاتب يده على الجرح مباشرة:
(قصرت في حق نفسي ساي شان ناس ولا بستاهلوا ما بعرفوا الحنية ديل يا بعرفوا وبتجاهلوا).

يا لها من مفارقة موجعة! أن تكتشف أنك لم تكن ضحية تقصير الآخرين وحدهم، بل كنت أيضاً مقصراً في حق نفسك، والسؤال الذي يطرحه النص عن الذين لا يعرفون الحنية أو يعرفونها ويتجاهلونها، سؤال يحمل عتاباً ومرارة، ويترك للمستمع مساحة واسعة لاستحضار تجاربه الخاصة.

ثم تأتي واحدة من أجمل الصور التعبيرية في الأغنية:
(وزعت عمري علي البشر سنتين هنا وسنتين هناك) !!.
هي صورة تعبيرية صادقة تختصر سنوات من الاستنزاف العاطفي، العمر الذي كان ينبغي أن يكون لك، وزعته على الآخرين، ومنحتهم الوقت والاهتمام والفرص، حتى أصبحت أنت الغريب عن حياتك. وتزداد مرارة الحكاية حين يقول:
(وعذرتهم يوم قصروا كملنا قالوا اللوم معاك).
هنا يبلغ النص ذروة المفارقة، أن تعذر الآخرين حين يخطئون في حقك، ثم تجد نفسك متهماً عندما تطالب بحقك! ولذلك تأتي عبارة (مسكين أنا الصدقتهم)! محملة بانكسار إنسان لم يكن ينقصه الحب، بل كان يمنحه في المكان الخطأ.

وعلى مستوى اللحن، فإن عماد الدين الطيب أمام نص بهذه الحمولة الوجدانية يحتاج إلى معادلة دقيقة، أن يمنح الكلمات جناحين موسيقيين دون أن يسلبها عفويتها ، فالأغنية الوجدانية الناجحة لا تحتاج إلى ازدحام موسيقي بقدر ما تحتاج إلى لحن يحتضن المعنى، ويمنح الجمل مساحتها لتصل إلى المستمع وتكمن قيمة التلحين في قدرته على جعل الإحساس امتداداً للكلمة، بحيث لا ينفصل ما تسمعه الأذن عما يستشعره القلب

أما عصمت بكري، فيحمل الأغنية بصوته الذي يمتلك مساحة وجدانية تناسب هذا النوع من الأعمال ، فمثل هذه الكلمات لا تحتمل الأداء البارد، ولا تحتاج إلى استعراض صوتي على حساب المعنى، إنها تحتاج إلى إحساس يعرف أين يشتد، وأين ينكسر، وأين يترك للكلمة أن تقول بقية الحكاية، والأداء الناجح هنا هو الذي يجعل المستمع يشعر بأن المغني لا يؤدي كلمات مكتوبة، بل يستعيد تجربة عاشها أو عرف تفاصيلها

إني من منصتي استمع … حيث أقول…. : نفسي الأهم أغنية تتجاوز حدود العلاقة العاطفية إلى مساحة إنسانية أوسع، هي تخاطب كل من بالغ في التضحية، وكل من سامح أكثر مما ينبغي، وكل من اكتشف أن بعض الناس اعتادوا الأخذ حتى ظنوا أن العطاء حق مكتسب لهم،
إنها ليست دعوة إلى إغلاق أبواب القلب، وإنما دعوة إلى ألا نتركها مفتوحة لكل عابر. وليست دعوة إلى التخلي عن الآخرين، بل إلى ألا نتخلى عن أنفسنا من أجلهم.

أجمل ما في هذه الأغنية أنها لا تطلب من الذين خذلوك أن يعودوا، ولا تنتظر منهم اعتذاراً… إنها ببساطة تقول لك: كفاك إهمالاً لنفسك، فقد حان الوقت أن تكون أنت الأهم!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى