وجه الخير.. أماني الأمين (أخت الكلس) تكتب: اليوم العالمي للبيئة… جراح السودان وطريق العافية

في الخامس من يونيو من كل عام يحتفل العالم باليوم العالمي للبيئة.
لكن احتفالنا في السودان بعد الحرب أصبح مختلفاً، فالحرب تركت جراحها على الأرض قبل الإنسان، وخلفت تلفاً وتلوثاً وأضراراً ومشكلات بيئية عديدة.
الحرب لم تحرق البيوت فقط، بل أحرقت معها “رئة” السودان.
تلوث الهواء والتربة
أدى قصف المنشآت الصناعية ومحطات الوقود إلى تلوث الهواء والتربة، إذ أطلقت المصانع غازات ومواد سامة إلى الجو والأرض.
أما الدخان الأسود الذي ظل عالقاً في الأجواء لأشهر، فلم يذهب سدى، بل كان له تأثير واضح على المناخ والبيئة.
قطع الغابات والأشجار
ومن الأضرار التي صاحبت فترة الحرب عمليات قطع الغابات والأشجار بصورة واسعة، حيث أدى الاعتماد على الحطب والفحم في الطهي والإضاءة إلى قطع جائر للأشجار.
فالشجرة التي استغرقت خمسين عاماً لتنمو تُقطع في دقيقة واحدة، سواء داخل المدن أو في أطرافها، مما يؤدي إلى تعرية التربة وزيادة الجفاف، وإضعاف الأحزمة الشجرية التي تحد من الزحف الصحراوي وتحمي من الرياح والأتربة.
تدمير البنية التحتية للمياه
كان استهداف البنية التحتية واضحاً في تدمير شبكات المياه والصرف الصحي، الأمر الذي تسبب في تسرب المياه الملوثة إلى الأنهار والتربة، وهو خطر مباشر يهدد صحة الإنسان والحيوان.
النفايات والحطام
ومن المشكلات البيئية التي صاحبت الحرب أيضاً تراكم النفايات والحطام في المنازل وشوارع الأحياء والطرقات العامة.
فأنقاض المباني ومخلفات الحرب والمواد البلاستيكية تراكمت بصورة كبيرة، وأصبحت مصدراً للأمراض والتلوث البصري والبيئي.
التصحر وتغير المناخ
ويُعد السودان في الأصل من أكثر الدول تأثراً بالجفاف والتصحر، وقد زادت الحرب من الضغط على الموارد الطبيعية، فتقلصت الرقعة الزراعية وازدادت الهجرة من الريف إلى المدن، وهي عوامل تسهم بصورة مباشرة في تفاقم آثار تغير المناخ.
من أين نبدأ؟
إعمار الأرض لا يختلف عن إعمار الإنسان، فكلاهما يبدأ بخطوة.
يجب أن نزرع بدلاً من أن نقطع. فمبادرات التشجير مثل “شجرة لكل بيت” و”حزام أخضر حول المدن” لم تعد رفاهية أو مجرد بحث عن منظر جميل يسر الناظرين، بل أصبحت ضرورة بيئية حقيقية.
فالشجرة الواحدة قادرة على تثبيت التربة، وتلطيف المناخ، ومنح الأمل.
إدارة ذكية للنفايات
ومن الحلول المهمة أيضاً تبني إدارة ذكية للنفايات والحطام.
فبدلاً من حرق الأنقاض، يمكن التفكير في إعادة تدويرها والاستفادة منها. فركام المباني يمكن أن يتحول إلى مواد تستخدم في إنشاء الطرق الجديدة، كما أن الوعي بفرز النفايات يبدأ من المنزل.
الاتجاه نحو الطاقة النظيفة
ومن الحلول المهمة كذلك التوسع في استخدام الطاقة النظيفة.
فالاعتماد على الطاقة الشمسية في المنازل والآبار يقلل من قطع الأشجار المستخدمة في إنتاج الفحم، ويحد من التلوث البيئي.
والشمس، بفضل الله، متوفرة على مدار العام، مما يجعل الاستفادة منها خياراً عملياً ومجدياً.
حماية مصادر المياه
تمثل صيانة شبكات المياه والصرف الصحي أولوية قصوى، كما أن المحافظة على نهر النيل وروافده من إلقاء المخلفات مسؤولية تقع على عاتق كل مواطن.
التوعية سلاحنا الأقوى
يجب أن تكون التوعية سلاحنا الأول في معركة حماية البيئة.
فالطفل الذي يتعلم في المدرسة أن إلقاء النفايات في الشارع سلوك خاطئ، يكبر وهو يحمل هذا الوعي، ويصبح أكثر حرصاً على حماية بيئته.
وأطفالنا هم جيل المستقبل الذي سيكمل مسيرة إصلاح ما دمرته الحرب.
فالبيئة لا تحميها القوانين وحدها، بل تحميها القلوب أيضاً.
وكلما ازداد حب الإنسان لوطنه، ازداد حرصه على رعايته والمحافظة عليه.
الخلاصة
السودان جُرح، لكنه لم يمت.
والأرض، مثل الإنسان، إذا عولجت عادت لتمنح الخير والعطاء.
واليوم العالمي للبيئة يذكرنا بأن السلام مع الإنسان يظل ناقصاً ما لم يصاحبه سلام مع الطبيعة.
﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾
فليكن شعارنا بعد الحرب:
نبني… ونزرع… ونحمي.
ولنجعل من إعادة الإعمار إعماراً أخضر، يضمن لأبنائنا سوداناً أجمل وأنقى، وأكثر قدرة على مواجهة تحديات المناخ.
كل عام وأرضنا بخير، وكل عام ونحن لها أوفياء.

