قبل أن تغادر.. م. خالد حسن إبراهيم يكتب: الكهرباء أولوية للمواطن السوداني وللإعمار والتنمية

لا تستقيم حياة إنسان في القرن الواحد والعشرين بدون كهرباء مستقرة.
الكهرباء اليوم ليست “رفاهية” كما كانت قبل 50 سنة، بل هي عصب الحياة وعصب الاقتصاد.
وفي السودان تحديداً، بعد سنوات الحرب والانهيار، تصبح الكهرباء أول وأهم خطوة في طريق النهوض.
المواطن السوداني يبحث عن الأمان، والكرامة، والعيش الكريم، وكلها تبدأ بزر الكهرباء.
أولاً: الكهرباء أولوية للمواطن السوداني
صحة الإنسان:
المستشفيات بدون كهرباء تعني موت حضّانات الأطفال، وتعطّل غرف العمليات، وتلف الأدوية.
توقف غسيل الكلى وتدهور صحة مرضى العناية المكثفة وربما يفقدون حياتهم.
تأثير الصيف الحارق مع انعدام الكهرباء بزيادة حالات ضربات الشمس، والجفاف، ووفيات بين كبار السن والأطفال.
التعليم:
معاناة الطلاب في التحصيل وأداء الواجبات المدرسية في ظل انقطاع للكهرباء.
تدني العملية التعليمية في المدارس والجامعات بدون كهرباء لتوقف المعامل و المشرحة والكمبيوترات مما يهدد مستقبل أجيال كاملة.
انقطاع الكهرباء سرق من أجيالنا الرغبة في التفوق ومنافسة الدول المتقدمة ومواكبة التطور العلمي.
كرامة البيت السوداني:
بانقطاع الكهرباء تعاني المرأة في البيت في المطبخ وفي التدبير المنزلي بعدم اشتغال الثلاجة بصورة جيدة وعدم إمكانية حفظ الطعام وتصبح العمليات الحياتية اليومية من نظافة المنزل والملابس وغيره عمليات إهدار لكرامة ست البيت.
الأمن:
انقطاع الكهرباء تحيل الشوارع لغابة مظلمة وهي بيئة خصبة للجريمة والسرقة والاعتداء. مما ينشر الذعر وسط الآمنين.
التواصل:
انقطاع الكهرباء يضعف التواصل الاجتماعي ونحن في زمن الحرب والتشريد أصبح الموبايل هو السلوى وقناة التواصل مع الأهل في مناطق الشتات ويرسل التطمينات مع كل تهديد أو إشاعة مزعجة وبدونه تنقطع الأخبار وتزداد قساوة الحياة.
ثانياً: الكهرباء أساس الإعمار بعد الحرب
لا يمكن إعادة بناء بيت، ولا مصنع، ولا شارع، بدون كهرباء تشغل الآلات.
“الإعمار” يعني إسمنت وحديد وونش وخلاطة، وكلها تعمل بالكهرباء.
أي مشروع إعمار يبدأ بمحطة كهرباء، وإلا سيكون بطيئاً ومكلفاً 10 أضعاف.
إعادة تأهيل المستشفيات والمدارس المدمرة مستحيل بدون تيار مستقر.
عودة النازحين لبيوتهم مرتبطة بوجود كهرباء وموية، والاثنين مرتبطين ببعض.
الإعمار ليس طوب فقط، الإعمار هو إعادة تشغيل نبض الحياة، والكهرباء هي النبض.
الدول التي خرجت من الحروب مثل رواندا وألمانيا، أول ما فعلته هو إصلاح الكهرباء.
لأنها عرفت أن “النور” قبل “الإعمار.”
ثالثاً: الكهرباء عصب التنمية والاقتصاد
الزراعة:
السودان سلة غذاء العالم، والزراعة الحديثة تحتاج لطلمبات للري ومخازن مبردة ومصانع تحويلية أو معدات للتجهيز للصادر.
المزارع بدون كهرباء يروي بالطلمبات بأسعار وقود خرافية مما يزيد تكلفة الإنتاج ويجعله غير منافس ويعرضه لخسارة ماحقة.
كهرباء رخيصة ومستقرة تعني ري أكبر، إنتاج أكثر، وصادر يغني البلد.
الصناعة:
لا مصنع غزل، ولا مصنع أدوية، ولا مصنع أغذية يشتغل على مولد.
المولد مكلف ويزيد تكلفة الإنتاج، ويجعل “صنع في السودان” أغلى من المستورد.
كهرباء قومية مستقرة تجذب المستثمر وتخفض تكلفة الإنتاج 40%.
بعض الدول لجذب المستثمرين للصناعة جعلت الكهرباء للمصانع مجانا أو شبه مجانا مثل ليبيا وإيران وأثيوبيا ..
الوظائف: كل مصنع جديد يوفر عشرات الوظائف وكل ورشة تعمل تحمى عدة أسر من الفاقة والضياع والشباب العاطل لن يتوظف إلا إذا فتحت المصانع، والمصانع لن تفتح بدون كهرباء.
التحول الرقمي:
البنوك، الحكومة الإلكترونية، التجارة الإلكترونية، كلها كهرباء و إنترنت.
بدون كهرباء سنظل نعتمد على الكاش ونقف في الصفوف ونخسر الزمن وتتراجع حركة الاقتصاد.
تعدين وموارد:
استخراج الذهب والمعادن يحتاج طاقة ضخمة.
السودان غني بالموارد لكن فقير بالطاقة، فتضيع ثروتنا ونحن نتفرج.
رابعاً: لماذا بلادنا تحتاج الكهرباء الآن؟
السودان عنده كل مقومات الطاقة: شمس ساطعة 12 شهر في كل الولايات، رياح، نيل، غاز.
المشكلة ليست في الموارد، المشكلة في الإرادة والتخطيط والفساد.
بعد الحرب، البنية التحتية للكهرباء مدمرة، ومحطات التوليد خارج الخدمة وما زالت العدو يستهدف محطات الكهرباء يوميا وآخرها قبل أيام في محطة الأبيض لأنه يعلم دورها وتأثيرها لماذا لا نوجه تركيزنا لحمايتها بكل الأوجه.
متى يبلغ البنيان يوما تمامه
إذا كنت تبني وغيرك يهدم
لكن الشعوب لا تتقدم بالاستسلام للقدر، بل بكسر القيود ومواجهة التحديات ومؤامرات العدو الغاشم.
خامساً: ماذا يحدث بغياب الكهرباء؟
يهاجر الأطباء والمهندسون لأنهم لا يستطيعون العمل.
تهاجر المصانع إلى إثيوبيا ومصر ودول الجوار الأخرى لأن الكهرباء هناك أرخص وأوثق.
يزيد الفقر، لأن الفقير هو أكثر من يتأذى من انقطاع الخدمات وغياب الصناعة وتوقف ماكينة العمل.
ينتشر الفساد لانتشار البطالة وقلة الدخل .
تضعف الدولة، لأنها فقدت موارد بشرية وموارد مالية!!
سادساً: الحلول والطريق للأمام
بعض أبناء الوطن الغيورين تنادوا لحمل هم معالجة مشكلة الكهرباء مع الدولة وأسسوا قروب أسموه (حل مشكلة الكهرباء) يضم مدراء سابقين لقطاع الكهرباء ووزراء وخبراء ورجال أعمال وصحفيين. الخ كل همهم أن يقدموا مقترحات وحلول عملية تسهم في معالجة هذه الأزمة المستمرة من عشرات السنين وليشجعوا المبادرات الخاصة في الاستثمار في الكهرباء أو في التطوع بالإنفاق في هذا المرفق كما فعل أحد رجال الأعمال (جزاه الله خيرا) بتحمل تكلفة تشييد محطتي طاقة شمسية في الدلنج وبربر بتكلفة 30 مليون دولار.
ومن الحلول التي تم التركيز عليها التالي:
الطاقة الشمسية:
السودان لديه 300 يوم شمس في السنة، وهي ثروة مهملة.
الحل بإنشاء محطات شمسية في الشمالية ونهر النيل ممكن تغطي نصف العجز خلال سنتين.
إصلاح السدود: مروي، الروصيرص، عطبرة تحتاج صيانة وإدارة رشيدة.
محطات الغاز: أسرع وأرخص من البواخر التركية المؤقتة.
الطاقة النووية
محطة صغيرة من الطاقة النووية تكفي عشرات محطات الديزل ولسنا أقل من الدول العربية التي أدخلت محطات طاقة نووية لتزويدها بالكهرباء.
طاقة الرياح
من المصادر التي أصبحت منتشرة عالميا ولدينا مناطق بها رياح طوال العام .
الربط الإقليمي: الربط مع إثيوبيا ومصر يمنح السودان أمان طاقة.
محاربة الفساد: فاقد التوصيل والجباية يسرق 30% من الكهرباء المنتجة.
نشر عدادات ذكية وجباية إلكترونية يوفر كهرباء أكثر وبسعر أقل.
إشراك القطاع الخاص: الدولة وحدها لن تبني، لكن بشراكة عادلة مع المستثمرين المحليين والأجانب وتعديل القوانين لتشجيع الاستثمار في قطاع الكهرباء.
ترشيد الاستهلاك: المواصفات يمكن أن يكون لها دور مؤثر في إيقاف استيراد الأجهزة الكهربائية القديمة (دون انفيرتر) واللمبات غير الليد وكذلك المواطن شريك، ولمبة ليد ومكيف انفيرتر يوفرون 60% من الفاتورة.
التأهيل: تدريب عدد كاف من المهندسين والفنيين لتغطية عجز الاغتراب والهجرة ولتلبية حاجة التوسع في المرفق.
الإدارة البلدوز
هذا المرفق حاليا يحتاج لرجل وطني غيور يتمتع بمؤهلات علمية وعملية رجل محارب لا يعرف معنى كلمة مستحيل وتمنح له صلاحيات واسعة بدرجة نائب رئيس وزراء يكسح من يقف أمامه أو يعرقل سيره ولا يتقيد ببروتوكلات الوزراء من اجتماعات وتشريفات وغيره يطلب منه إنجازات فقط يتجاوز سيرة البلدوزر محمود شريف والقامة مكاوي عوض ليسطر باسمه في التاريخ أنه من ادخل الطاقة النووية وأنه وطن كل مدخلات الطاقة الكهربائية وأنه من قفز بالإمداد في عامين ثلاثة أضعاف وأنه وضع السودان في مصاف الدول العالمية الرائدة في انتاج وتوزيع الطاقة الكهربائية..فهل يوجد مثل هذا الرجل أم أسرفنا في الأحلام ..
بدون مثل هذه الحلول كل شعارات “الإعمار والتنمية” تصبح حبر على ورق.
الكهرباء ليست سلكاً وعموداً، الكهرباء هي حياة.
هي مدرسة مفتوحة، ومستشفى شغال، ومصنع منتج، وبيت آمن.
إذا أردنا سوداناً جديداً، فلنبدأ من المفتاح.
اضغطوا زر الكهرباء أولاً، وستضيئ كل الطرق بعدها.
فالظلام لا يبني أوطاناً، والنور وحده هو الذي يصنع الحضارات.
والشعب السوداني يستحق أن يعيش في النور، لا أن ينتظر النور.
هذه ليست رفاهية، هذا استحقاق، وهذه هي البداية الحقيقية لكل إعمار وتنمية.
اللهم نوّر بلادنا، ونوّر قلوب من بيدهم القرار، حتى يروا أن الكهرباء هي مفتاح السودان الجديد.

