إضاءات.. البروفسيور فكري كباشي الأمين العربي يكتب: أوجه اختلاف هذه الحرب اللعينة الدائرة في السودان (2-1)

تختلف هذه الحرب اللعينة الدائرة في السودان لتعدد الأبعاد الداخلية و الخارجية والتي أدت إلى اشتعالها عن كل الحروب الأخرى التي دارت في السودان في العصر الحديث وسوف أحاول استعراض بعض منها في عجالة وعلى رأسها أول أوجه الاختلاف، هذه الحرب اللعينة الدائرة في السودان يتمثل في البعد الذي يعتبر عنصر أساسي في البيئة الخارجية السياسية والاقتصادية والذي يظهر متجليا في محاولة الاستحواذ على الموقع الجيوستراتيجي للسودان والموارد الطبيعية، المتمثلة في المياه والأراضي الزراعية والثروة الحيوانية والمعادن إضافة إلى البترول والغاز الطبيعي والمنتجات الزراعية والحيوانية، والتي جعلت من السودان مسرحاً جاذباً للصراع الدولي والإقليمي، يأتي ذلك في الوقت الذي يتزايد فيه التنافس بين الولايات المتحدة وبعض دول الاتحاد الأوروبي مع روسيا والصين على الهيمنة على النظام العالمي، خاصة بعد تفجُّر الحرب الأوكرانية وتداعياتها السلبية على الاقتصادات الغربية، فضلاً عن التقاطُعات والتناقُضات الإقليمية واحد أهمها يتمثل في التنافس للوصول إلى البحر الأحمر ذي الأهمية الإستراتيجية والسيطرة عليه، الأمر الذي رفع حدة التوترات، حيث هناك ثلاثة موانئ رئيسية في السودان على ساحل البحر الأحمر، وأكبرها الميناء الجنوبي المتخصص في استقبال الحاويات، كما بدأت بعض المحاولات بتطوير ميناء “أبو عمامة” على ساحل البحر الأحمر من خلال استثمارات تصل إلى 6 مليارات دولار دون الالتفات إلى بعض الأبعاد الاجتماعية إذ أن هذا الميناء المَنْوِيّ تطويره ينافس الميناء الرئيسي في بورتسودان مع عدم المراعاة للآثار الاجتماعية الناجمة والتي تترتب على ذلك ممن فقدان العديد من أهالي المنطقة لفرص العمل، ذلك أن المنياء الرئيسي يعتبر المشغل الأساسي لمعظم المواطنين من السكان المحلين والحكمة والمسؤولية الأخلاقية تقتضي إعداد دراسات تتكفل بوجود بدائل تتناسب مع أوضاعهم وتكفل لهم سبل العيش الكريم دخل وطنهم دون من أو اذى، كما أنه يثير مخاوف جماعات مهتمة بالبيئة من تأثيراته السلبية لوقوع الميناء في منطقة محمية تم تسجيلها لدى منظمة اليونسكو ضِمن التراث الطبيعي العالمي.
وثاني أوجه الاختلاف هذه الحرب اللعينة الدائرة في السودان كذلك التأثر الكبير بالاقتصاد الدولي من خلال العرض في البورصات العالمية للمعادن نتيجة لدخول الذهب الإفريقي والذي يمثل ذهب “جبل عامر” هي منطقة إستراتيجية تقع في شمال دارفور، وقد لعبت دوراً جوهرياً في رسم الخريطة السياسية والاقتصادية بالسودان منذ انفصال الجنوب الغني بالنفط عن الشمال عام 2011، فضلاً عن أن منطقة سنقو تقع في جنوب نيالا الجدير بالذكر أنه بعد الانفصال، بدأ السودان في البحث عن بدائل، فوجد ضالته في التعدين وخاصة الذهب.
كذلك ثالث أوجه الاختلاف هذه الحرب اللعينة الدائرة في السودان عن الحروب السابقة، في كل الحروب السابقة والتي حدثت في العصر الحديث في السودان لم يحدث أن اقتربت أي قوات متمردة على الدولة من القصر الجمهوري أو القيادة العامة طيلة سبعين عامًا، هي عمر الحركات المتمردة في السودان ذلك أن قادة التمرد من قوى مسلحة كانت موجودة داخل القصر الجمهوري وكافة مفاصل الدولة وكل المرافق الحيوية والمواقع الاستراتيجية داخل العاصمة الخرطوم في مدنها الثلاثة الخرطوم وبحري وامدرمان دون استثناء .
وكذلك أن رابع أوجه الاختلاف هذه الحرب اللعينة الدائرة في السودان يتمثل في الأبعاد الإثنية والجهوية لهذه الحرب. الصراعات والحروب التي شهدها السودان في تاريخه، لم يكن الاصطفاف القبلي والإثني حاضرًا فيها بمثل ما هو حاضر في هذه الحرب، ويمكن القول ان قوات الدعم السريع نجحت في استمالة بعض القبائل للاصطفاف معها ضد الجيش السوداني ورغم أن مجهوداتها لم تحقق نجاحًا كاملًا، إلا إنها نجحت في استقطاب بعض المكونات القبيلة على أساس إثني وجهوي.
(نواصل)

