مقالات

من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: حبيبي… طقشتو الركشة!

لا أعرف شعبًا يستطيع أن يحوّل الحوادث إلى حفلات، والمآتم إلى رقصات، والرثاء إلى (عرضة) مثلنا، عندنا المأساة لا تنتهي بالبكاء، وإنما تبدأ مع أول ضربة إيقاع!

شاهدت فنانة تغني أغنية (حبيبي طقشتو الركشة)! ، وكانت تغني بكل ما أوتيت من حماس، والجمهور من حولها يهتز طربًا و(يجبجب) وهي في قمة( الجبجبة) !، حتى خُيِّل إليَّ أن الركشة لم تصدم إنسانًا، وإنما فازت بكأس البطولة

جلست أسأل نفسي: ماذا حدث لذلك المسكين الذي (طقشتو الركشة)؟ هل نهض ينفض الغبار عن ثوبه ثم ذهب ليطلب أغنية أخرى؟ أم أن يده انكسرت؟ أم ساقه تهشمت؟ أم ارتطم رأسه بالإسفلت؟ أم أن جسده كله أصبح مشروعًا لتقرير طبي طويل؟ في كل الأحوال، فإن وجهته بعد (الطقشة) ليست ساحة الحفلة ، وإنما سرير في قسم الحوادث

ولو خرج ذلك (المطقوش)! من غرفة العمليات، ثم شاهد الناس يرقصون على خبر مصيبته، لطلب من الطبيب أن يعيده إلى التخدير، فهذه الصدمة أكبر من الأولى!

ثم تأتي أغنية (الكنداكة) كما تقال وهي( الكان داكا) … ما إن تبدأ حتى ترى العصي ترتفع، والصفوف تنتظم، وهاك يا (عرضة)! وقفز وحماس ! ولو سألت أحد الراقصين عن معنى الأغنية، لاكتشف أن نصفهم لا يعلم أنها في الأصل قصيدة رثاء لرجل كريم، عاش معطاءً ورحل تاركًا سيرة طيبة، لكنها عندنا تحولت إلى وصلة راقصة، وكأننا اكتشفنا طريقة جديدة للاحتفال بالحزن

يبدو أننا شعب لديه موهبة نادرة في إعادة تدوير المعاني ، نحول البكاء إلى تصفيق، والمناحة إلى كرنفال، ثم نستغرب لماذا لم تعد الكلمات تحمل أوزانها الحقيقية

أما الهتاف الأشهر:
(مرقنا… مرقنا… ضد الناس السرقوا عرقنا)!
فقد كان يومًا يزلزل المنصات، وترتفع به الحناجر حتى ظن البعض أنه سيغيّر وجه التاريخ،
لكن التاريخ كانت له سخرية أخرى،
عندما جاءت المليشيا، لم تسرق (العرق) فقط، بل سرقت البيوت، والسيارات، والأسواق، والمزارع، والذكريات، وحتى أبواب المنازل والنوافذ ، شردت الملايين، ويتمت الأطفال، ورملت النساء، وحولت مدنًا كاملة إلى أطلال
ومع ذلك… لم نسمع من هؤلاء الهتاف القديم،
لم نرَ المنصات تمتلئ بالغاضبين وهم يهتفون ضد من سرق الوطن كله، لا عرقه فقط اختفت الأصوات، وغابت القبضات، وتحول أصحاب الشعارات إلى خبراء في الصمت، وكأن للصوت موسمًا، وللشجاعة تقويمًا، وللمواقف صلاحية تنتهي عند أول اختبار

بعضهم كان يهتف ضد من ظن أنهم سرقوا عرقه، لكنه عندما سُرقت داره، وأُحرقت قريته، ونزح أهله، اكتفى بالبحث عن مكان ينام فيه، ولو تحت شجرة، وهو يتمتم: الحمد لله على السلامة

إني من منصتي أنظر …. حيث اري…. ما بين (حبيبي طقشتو الركشة)، و(الكنداكة)، و(مرقنا مرقنا) تتجلى حكايتنا كاملة
أغانٍ لا تشبه معانيها، وشعارات لا تصمد أمام الامتحان، وجماهير تحفظ الإيقاع أكثر مما تحفظ الفكرة

لقد أصبحنا أحيانًا نرقص حيث ينبغي أن نتأمل، ونهتف حيث ينبغي أن نفكر، ثم نصمت حين يصبح الكلام واجبًا
أسأل الله أن يشفي المطقوش ! ، وأن يتغمد صاحب الكنداكة بواسع رحمته، وأن يغفر لكل صاحب نية صادقة
أما الذين سرقوا البيوت، وشردوا الأسر، وأسالوا الدماء، وكتبوا على جدران الوطن أكبر مأساة في تاريخه الحديث، فنسأل الله أن يعجل بهزيمتهم، وأن يطوي صفحتهم إلى غير رجعة، وأن يعود السودان آمنًا مطمئنًا، كما عرفه أهله، لا كما أراده تجار الخراب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى