مقالات

الإعلامية حجازية محمد سعيد تكتب: الكودابي بين مطرقة الاتهام وسندان التضليل.. الحقيقة التي تكشفها التواريخ

بعد أن قالت المحكمة كلمتها.. لماذا أُقحم اسم الكودابي في قضية دفع الله؟
هناك قضايا تستحق أن نقف عندها ليس فقط بحثاً عن العدالة، وإنما دفاعاً عن العدالة نفسها.

وقضية المرحوم دفع الله كانت قضية مؤلمة، تابعتها الأسر والرأي العام، وكان من حق الجميع أن يعرف الحقيقة وأن يأخذ كل من تثبت مسؤوليته جزاءه وفق القانون.

وقد قال القضاء كلمته، وصدر قبل أيام الحكم بالإعدام على المتهمين في القضية، لتنتقل القضية من مساحة الروايات والتكهنات إلى مساحة الحكم القضائي.
لكن السؤال الذي يظل قائماً:

لماذا أُدخل اسم اللواء شرطة محمد حسن الكودابي في القضية قبل المحاكمة، وقبل أن تقول المحكمة كلمتها، ولماذا قُدمت للرأي العام روايات عديدة صُورت وكأنها وقائع ثابتة؟

لقد شهدت وسائل التواصل الاجتماعي خلال الفترة الماضية محتوى يربط اسم مدير شرطة الولاية الشمالية بالقضية، بل وظهرت منشورات ولايفات تتحدث عن زيارات واتصالات وتدخلات مزعومة، وتطرحها أمام الرأي العام بطريقة تجعل المتلقي يشعر وكأنه أمام أحداث موثقة لا تقبل النقاش.

لكن الحقيقة التي نؤكدها بوضوح هي:
اللواء شرطة محمد حسن الكودابي لا علاقة له بما جرى في قضية دفع الله، وكل ما جرى من إقحام اسمه وربطه بالقضية لا يمثل الحقيقة.
لنعد إلى التاريخ

التاريخ هنا لا يحتاج إلى رواية ولا إلى لايف.
واقعة بلاغ الذهب كانت في أكتوبر 2023.
ووفاة المرحوم دفع الله كان في يونيو 2024.
أما اللواء شرطة محمد حسن الكودابي فقد تولى رئاسة شرطة الولاية الشمالية في الثاني من يناير 2025.

أي أن الوقائع الأساسية التي يجري الحديث عنها حدثت قبل أن يتولى الرجل رئاسة شرطة الولاية.

فكيف يتحول مدير شرطة تولى المسؤولية في بداية عام 2025 إلى طرف في وقائع تعود إلى عامي 2023 و2024؟
إذا كان هناك دليل على علاقة شخصية أو جنائية أو إدارية مباشرة، فليظهر الدليل.

أما مجرد الربط بين الاسم والمنصب والقضية، فلا يصنع مسؤولية.
الأخطر أن الرواية سبقت المحكمة
المشكلة ليست فقط في ذكر اسم الرجل.

المشكلة في أن الرواية الإعلامية سبقت الحقيقة القضائية.
قبل أن تصدر المحكمة حكمها، كان الرأي العام يسمع روايات متعددة، وتُطرح تفاصيل واتهامات وكأنها فيلم مكتمل الأحداث، بينما القضية نفسها كانت لا تزال أمام القضاء.
وهنا يجب أن نسأل:
هل يجوز أن نحاكم الأشخاص في وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تحاكمهم المحكمة؟

وهل يجوز أن نثبت في أذهان الناس علاقة شخص بالقضية، ثم نتركهم يظنون أن ما قيل في اللايف أصبح حقيقة لمجرد أنه تكرر؟
التكرار لا يصنع الحقيقة.
والمشاهدات لا تصنع الحقيقة.
والإعجابات لا تصنع الحقيقة.
الحقيقة يصنعها الدليل، وتقول كلمتها النهائية الجهات العدلية المختصة.

من حق أسرة دفع الله العدالة.. ومن حق الكودابي الإنصاف
نحن لا نقف ضد أسرة المرحوم دفع الله.

بل نقف معها في حقها في العدالة.
ولا نقول إن أي شخص يجب أن يفلت من المحاسبة.
بل نقول: من تثبت إدانته فليتحمل مسؤولية فعله.
لكن في الوقت نفسه، من حق كل إنسان أن يُنصف وألا يُقحم في قضية لا علاقة له بها.
لا يمكن أن نطالب بالعدالة للمرحوم دفع الله ثم نمارس ظلماً آخر بحق شخص آخر.
ولا يمكن أن نرفض الظلم في قضية، ثم نقبله عندما يقع على شخص لا نعرفه أو لا نتفق معه.
قال تعالى
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.
هذه الآية يجب أن تكون دستوراً لكل من يمسك هاتفه ويكتب عن الناس.
فالكلمة أمانة.
والاتهام مسؤولية.
والتشهير ليس لعبة.
ومن يكتب معلومة غير صحيحة عن إنسان قد لا يعرف حجم الضرر الذي أحدثه في حياته وسمعته وأسرته.
إلى أصحاب اللايفات والمنشورات
من حقك أن تسأل.
من حقك أن تنتقد.
من حقك أن تطالب بالتحقيق.
لكن ليس من حقك أن تحول السؤال إلى إدانة، ولا الادعاء إلى حقيقة، ولا الرواية إلى حكم قضائي.
إذا كان لديك دليل، فقدم الدليل.
وإذا كانت لديك وثيقة، فأظهرها للجهات المختصة.
وإذا كان لديك شاهد، فليشهد أمام المحكمة.
أما أن تُبنى رواية كاملة أمام الناس ثم يُطلب منهم تصديقها، فهذا ليس تحقيقاً.

هذه صناعة رأي عام، وليست صناعة عدالة.
محمد حسن الكودابي ليس مسؤولاً عن كل ما يحدث في الشرطة
هناك خطأ يجب أن يتوقف عنده الجميع:

المسؤولية المؤسسية ليست هي المسؤولية الجنائية الشخصية.
كون المتهم ضابط شرطة لا يعني أن مدير الشرطة متهم.
وكون شخص ما يعمل داخل مؤسسة لا يجعل رئيس المؤسسة شريكاً في أي جريمة يرتكبها.
وإلا فسنفتح باباً لا نهاية له لتحميل كل مسؤول مسؤولية أفعال كل موظف تحته، وهذا لا يستقيم مع القانون ولا المنطق.
إلى مواطني الشمالية
يا أهلنا في الشمالية:
لا تسمحوا لأحد أن يستخدم تعاطفكم مع قضية المرحوم دفع الله ليقودكم إلى ظلم إنسان آخر.

تحروا.
تثبتوا.
اسألوا عن الدليل.
وانظروا إلى التواريخ.
ولا تجعلوا المنشور بديلاً عن المحكمة.
فقد رأينا كيف يمكن لرواية واحدة أن تنتشر في ساعات، ثم تتبعها روايات أخرى، حتى يصبح الناس في النهاية غير قادرين على التمييز بين ما حدث فعلاً وما قيل إنه حدث.
وهذا هو أخطر أنواع التضليل.
رسالتنا الأخيرة
نحن نثق في القضاء السوداني، ونحترم ما صدر عنه من أحكام، ونؤمن أن لكل ذي حق حقه.

ونقول لكل من ظلم إنساناً بكلمة:
الله لا يضيع حق المظلوم.

وقد لا يحتاج المظلوم إلى أن يرد عليك؛ فالله كفيل بأن يُظهر الحقيقة.
أما الإعجابات التي جمعتها، والمشاهدات التي حققتها، فلن تكون حجة أمام الله ولا أمام القانون.

الـ«لايك» لا يسمن ولا يغني من حق.
والشهرة لا تمنح أحداً حصانة من المسؤولية عن كلماته.
وأقولها بكل وضوح:

لسنا ضد كشف الفساد، ولسنا ضد محاسبة المخطئين، ولسنا ضد نصرة المظلومين. نحن فقط ضد أن يتحول البحث عن العدالة إلى ظلم جديد.

أما اللواء شرطة محمد حسن الكودابي، فنقولها بوضوح لا لبس فيه:
لا علاقة له بما جرى في قضية دفع الله، وإقحام اسمه في القضية وربطه بأحداث سبقت توليه رئاسة شرطة الولاية لا يجعل منه طرفاً فيها.

والحقيقة لا تخشى التحقيق.

والبريء لا يحتاج إلى ضجيج كي تثبت براءته.
والله ولي التوفيق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى