محمد عثمان الرضي يكتب: الرئيس البرهان بين واجب الحماية ومحبة الجماهير

في مشهد لافت خلال احتفال القطاع الصحي بالعاصمة الخرطوم، حاول أحد الشباب الاقتراب من الفريق أول عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة السودانية، لالتقاط صورة تذكارية معه، في تعبير عفوي عن الإعجاب والرغبة في توثيق لحظة مع شخصية عامة تحظى باهتمام واسع.
الموقف في حد ذاته طبيعي في المناسبات الجماهيرية، لكنه سرعان ما أصبح موضع اهتمام بسبب تدخل أفراد الحراسة الخاصة لمنع الشاب من الاقتراب، وهي لحظة التقطتها عدسات الكاميرات التي كانت تنقل المناسبة على الهواء مباشرة.
ومن المهم هنا التأكيد على أن مهمة الحراسة ليست أمراً قابلاً للتهاون، فحماية رئيس الدولة تقتضي درجة عالية من اليقظة والانتباه، ولا يمكن لأفراد الحماية أن يفترضوا مسبقاً أن كل شخص يقترب يحمل نوايا حسنة، مهما بدا الموقف ودياً.
لكن في المقابل، فإن نجاح الحماية لا يرتبط فقط بمنع الاقتراب، وإنما يرتبط أيضاً بالطريقة التي يتم بها التعامل مع المواقف المفاجئة، خصوصاً عندما تكون المناسبة جماهيرية وتحت أنظار وسائل الإعلام، بحيث تتحقق الحماية دون أن يبدو المشهد أكثر حدة مما تستدعيه الظروف.
ومن هذه الزاوية تحديداً تستحق واقعة الشاب المراجعة، ليس باعتبارها دليلاً على خطأ في مبدأ الحماية، وإنما باعتبارها فرصة لتقييم أسلوب التعامل مع المواقف المشابهة مستقبلاً، خاصة عندما يكون الطرف الآخر مواطناً يريد التقاط صورة ولا يظهر منه سلوك عدائي.
فاللحظة التي يراها رجل الأمن من زاوية أمنية، قد يراها المواطن من زاوية إنسانية مختلفة، ولذلك تحتاج مثل هذه المواقف إلى قدر من التقدير المتوازن بين ضرورات الأمن وبين المحافظة على كرامة المواطن، خصوصاً عندما يكون بالإمكان معالجة الموقف بهدوء وسرعة.
كما أن وجود الكاميرات يضيف بعداً آخر للمشهد، فالتعامل مع المواطن في مناسبة عامة لا يبقى محصوراً بينه وبين الحراسة، وإنما يمكن أن يتحول إلى صورة يتداولها الجمهور، وقد تُفهم بطريقة مختلفة عن النية الأمنية التي وقفت وراءها.
وهنا لا ينبغي تحميل الرئيس مسؤولية مباشرة عن تصرف أفراد الحماية، فالفريق الأمني يعمل وفق تقديراته وإجراءاته، والرئيس ليس بالضرورة معنياً بكل تفصيل يحدث في محيطه أثناء المناسبات العامة.
وفي الوقت نفسه، فإن الصورة العامة للرئيس تتأثر بصورة طبيعية بكل ما يحدث حوله، ولذلك فإن حسن إدارة الحشود والتعامل الهادئ مع المواطنين يمكن أن يكونا جزءاً من نجاح المراسم والحماية معاً، وليس مجرد مسألة بروتوكولية ثانوية.
والبرهان نفسه ظهر في مناسبات مختلفة قريباً من المواطنين وبعيداً عن بعض مظاهر البروتوكول الصارم، فشاهدناه في مواقف عفوية وهو يصافح الجماهير، كما تناقلت وسائل الإعلام صوراً له في أماكن عامة وفي مواقف إنسانية بسيطة، من بينها احتساء القهوة وتناول عصير العرديب من يد بائع متجول.
هذه العفوية في الظهور العام يمكن أن تكون مساحة إيجابية للتواصل مع المواطنين، ومن الطبيعي أن يرغب بعض الناس في استثمار تلك اللحظات لالتقاط صورة أو تبادل التحية، لكن ذلك ينبغي أن يتم دائماً ضمن حدود واضحة تضمن سلامة الرئيس ولا تعرض أحداً للخطر.
ومن هنا تأتي أهمية أن تمتلك الحراسة آليات مرنة للمناسبات
الجماهيرية، تسمح بالتعامل مع مثل هذه الطلبات بصورة منظمة عندما تسمح الظروف، وتمنع الاقتراب عندما تكون هناك أسباب أمنية حقيقية، مع الحرص في الحالتين على أن يتم الأمر بأكبر قدر ممكن من الهدوء والاحترام.
إن الموازنة بين الأمن والإنسانية ليست مهمة سهلة، خصوصاً بالنسبة لفريق مسؤول عن حماية شخصية في موقع حساس، لكن الاحتراف الحقيقي يظهر في القدرة على الجمع بين الأمرين: حماية القائد بكل احترافية ومراعاة مشاعر معجبيه.

