حاطب ليل.. دكتور عبد اللطيف البوني يكتب: محقة أم مجاعة؟

(1)
أن تحدث مجاعة أو أي نقص في الغذاء، وإن شئت اسم الدلع فقل «فجوة غذائية»، في بقعة من بقاع السودان، أمر غير منطقي وغير مقبول؛ لأنه يثبت عجزنا وتقصيرنا كسودانيين، أو قل يثبت «مُحْقَتَنا» كسودانيين.
وفي تقديري أن كلمة «المُحْقَة» هي الأنسب. عندما يوصف الإنسان بأنه ممحوق، فهذا يعني أن في مقدوره أن يفعل الشيء، ولكن تنقصه العزيمة، أي الركن المعنوي. قد يقابلها إلى حد ما بالفصحى: «عجز القادرين على التمام». عليه، لا بد من أن نقبل شتيمة المتنبي:
«لم أرَ في عيوب الناس عيبًا
كنقص القادرين على التمام»
فالسودان حباه بموارد طبيعية تتمناها الكثير من شعوب الدنيا؛ من أرض سهلية منبسطة، وشمس ساطعة، ومياه وفيرة.
فلو قلت المياه العذبة التي تُسقى بها الزروع والضرع، تجدها في السودان من مصادر متعددة؛ فهناك مياه الأمطار المباشرة، إذ إن متوسط النازل منها على السودان أربعمائة مليار متر مكعب. وهناك النيلان الأزرق والأبيض، ثم نهر النيل، بالإضافة إلى عطبرة والدندر والرهد.
وهناك المياه الجوفية؛ فالسودان تمور من تحته المياه مورًا.
أليست قمة «المُحْقَة» أن يجوع إنسان في بلاد بها كل هذه المياه؟
دعونا من المشاريع الاستثمارية الكبرى والحيازات الصغيرة، وهي الغالبة في السودان. فلو اتجهنا للزراعة المنزلية فقط، يمكننا أن «نعمر بلادنا ونفوق العالم أجمع»، لكنها المحقة.
فسامحنا أيها الشاعر العظيم.
(2)
فلنترك التنظير الوارد أعلاه، ونهبط إلى أرض الواقع.
فالسودان اليوم كله يمكن أن يوصف بأنه بلاد كوارث؛ فهو ما زال في أتون حرب قضت على اليابس واليابس، واليابس مكرر. وإن شئت الدقة، إنه عدوان دولي وإقليمي يستهدف الموارد المشار إليها في الفقرة الأولى.
مع القتال المباشر، هناك حرب اقتصادية قذرة، وهذه طابورها الخامس متغلغل في المجتمع السوداني، بقصد أو بغير قصد؛ فطمع البعض وجشعه وأنانيته تجعل منه يخدم مخطط العدو دون قصد منه.
البلاد تعاني عزلة دولية يكاد يصل عمرها إلى نصف قرن، والآن تعاني من سوء إدارة وحالة سيولة سياسية.
وآخر النوازل جابت ليها شُحًّا في الأمطار، الأمر الذي تناولناه في المقال السابق والذي سبقه.
فالمطر الذي كان يهطل بمعدلات معقولة في الأعوام السابقة كان ساترًا لكثير من النواقص، وبالتالي للكثير من أوجه الفساد وسوء الإدارة.
فمعظم المحاصيل، إن لم نقل كلها، والثروة الحيوانية التي تغذي البلاد وتفيض للتصدير، كانت تأتي من القطاع التقليدي دون أن تبذل الدولة فيها أي جهد؛ تنزل الأمطار، فيقوم المزارع ببذر البذرة، ثم يتوالى الهطول إلى أن يحصدها، وفي الوقت نفسه تخضر الأرض فيرتع الحيوان.
نعم، الإنتاجية ضعيفة جدًا، ولكن كما يقولون: «الكثرة غلبت الشجاعة».
فمتوسط الأرض المزروعة يتراوح بين الثلاثين والأربعين مليون فدان.
أها، السنة دي لم يهطل المطر بالمعدل المطلوب أو المعتاد، وسوف ينكشف الطابق المستور.
(3)
كما قلنا بالأمس، نحن الآن في انتظار التوضيح الرسمي لما عليه حال البلد من تآلٍ في الغذاء.
وكذلك سوف تصك آذاننا في القريب العاجل عبارة: «السودان في مواجهة مجاعة طاحنة»، ليست من الحادبين والمشفقين عليه، بل من المتربصين به.
ومن المؤكد أن عدم نجاح موسم الأمطار سوف يهب في أشرعتهم.
على الجهات الرسمية أن تمسك بزمام المبادرة، وعليها أن توضح للشعب الوضع الاقتصادي عامة، والغذائي بصفة خاصة.
عليها أن توضح التدابير التي سوف تتخذها، العاجلة منها والآجلة.
أمران معلومان: الحرب الأهلية والحرب الإقليمية التي نتج عنها إغلاق مضيق هرمز وتهديد باب المندب.
أها، البعدهما شنو؟!.
نعم، هناك تحديات جسام، ولكن هناك فرص.
«العينو في راسو بيعرف خلاصو»..
فكيف تحافظ الحكومة على الفرص وتقلل التحديات إن لم تحوّلها إلى فرص؟.
وللحديث بقية، إن شاء الله.

