خمسون بصاً نحو الوطن.. كيف صنعت «كوفتي السودان» جسراً مجانياً لعبور آلاف السودانيين من الغربة إلى الديار؟

القاهرة: هيثم موسى
في صباحٍ مصري دافئ، وبين ازدحام الحقائب وملامح الشوق المرسومة على وجوه المسافرين، كانت خمس حافلات جديدة تستعد للانطلاق من القاهرة نحو السودان. لم يكن المشهد مجرد رحلة سفر عادية، بل فصلًا جديدًا من حكاية إنسانية كبرى حملت اسم «عودة كوفتي»، المبادرة التي تحولت خلال أشهر قليلة إلى واحدة من أكثر مبادرات العودة الطوعية تأثيرًا في حياة السودانيين المقيمين بمصر.

داخل ساحة التجمع، اختلطت مشاعر الفرح والحنين. أسر كاملة تستعد للعودة، وطلاب أنهكتهم الغربة، ومرضى ينتظرون لقاء أهلهم بعد سنوات من البعد. الجميع كان يحمل أملاً واحداً: الوصول إلى الوطن بأمان. وبين هؤلاء كانت شركة كوفتي السودان تواصل تنفيذ وعدها الذي قطعته على نفسها بتسيير خمسين حافلة مجانية دعماً للسودانيين الراغبين في العودة.
ومع انطلاق الرحلة الثامنة، ارتفع عدد الحافلات التي تم تسييرها ضمن المشروع إلى ثمانية وثلاثين بصاً، بينما تقترب المبادرة بخطوات ثابتة من تحقيق هدفها المعلن بتفويج خمسين بصاً مجانياً بالكامل.


عضو لجنة العودة الطوعية أبو عبيدة عبد الله علي شبر وصف المشروع بأنه أكثر من مجرد وسيلة نقل، مؤكداً أن المبادرة تمثل عملاً وطنياً وإنسانياً متكاملاً. وقال إن اللجنة تتابع الرحلات منذ لحظة التسجيل وحتى وصول المسافرين إلى الأراضي السودانية، مع توفير الإرشادات اللازمة ومتابعة أوضاع الركاب عبر مجموعات تواصل خاصة لضمان سلامة الرحلات وانسياب الإجراءات.
وأوضح أن الدعم لم يقتصر على توفير الحافلات فقط، بل شمل تقديم الوجبات الغذائية والمياه والأدوية والمستلزمات الطبية، خاصة للحالات المرضية وكبار السن، فضلاً عن توفير مندوبين في نقاط العبور المختلفة لمساعدة المسافرين وتسهيل الإجراءات.
وأشار إلى أن منطقة أرقين الحدودية شهدت ترتيبات خاصة لضمان استمرار الرحلات دون تعقيدات، مؤكداً أن نجاح المبادرة يعود إلى التنسيق المستمر بين لجنة العودة وشركة كوفتي والجالية السودانية والجهات الشريكة.
وأضاف أن السودانيين الذين استفادوا من المبادرة يدركون حجم الأعباء التي تحملتها الشركة في هذه المرحلة الصعبة، مبيناً أن المشروع خفف كثيراً من المعاناة المالية التي كانت تواجه الراغبين في العودة إلى السودان.
من جانبه أكد محمد عبد الله محمد علي الإدارة المالية وممثل شركة كوفتي السودان أن الشركة تنظر إلى المبادرة باعتبارها جزءاً أصيلاً من مسؤوليتها المجتمعية تجاه أبناء السودان.
وقال إن كوفتي ظلت حاضرة في العديد من المبادرات المرتبطة بالتعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، وإن مشروع العودة الطوعية جاء استجابة مباشرة لاحتياجات آلاف السودانيين الذين واجهوا ظروفاً إنسانية واقتصادية معقدة خلال الفترة الماضية.
وأوضح أن الشركة تكفلت بتمويل خمسين بصاً بصورة كاملة، وأن جميع المسافرين يتم تفويجهم مجاناً دون أي رسوم أو التزامات مالية، مؤكداً أن هذا الأمر يمثل جزءاً أساسياً من الاتفاقات الموقعة مع الجهات المنفذة للمشروع.
وأشار إلى أن بعض التجاوزات الفردية التي ظهرت في بعض الرحلات السابقة تمت معالجتها فوراً بالتنسيق مع الجهات المختصة، مشدداً على أن سياسة الشركة تقوم على ضمان مجانية الرحلات بصورة كاملة حتى وصول الركاب إلى السودان.
وفي الجانب التنظيمي لعبت جمعية حوش السودان بمنطقة النزهة الجديدة دوراً محورياً في إنجاح المشروع. فقد تولت الجمعية عمليات التسجيل والتنسيق ومتابعة أوضاع المسافرين، إلى جانب تقديم الدعم اللوجستي اللازم لإنجاح الرحلات.
وأكدت بثينة عثمان أحمد، عضو الجالية السودانية بالنزهة الجديدة، أن المبادرة ساعدت أعداداً كبيرة من الطلاب والأسر وأصحاب الظروف الخاصة الذين كانوا يواجهون صعوبات حقيقية في تدبير تكاليف العودة.
وقالت إن فرق العمل التطوعي تبذل جهوداً كبيرة يومياً لتسهيل الإجراءات ومعالجة التحديات المرتبطة بالأمتعة وأعداد الركاب، مشيرة إلى أن العمل أصبح أكثر تنظيماً مع تزايد الخبرات وتراكم التجارب.
وأضافت أن الشركة لم تكتف بإعلان الدعم، بل أوفت بالتزاماتها كاملة على أرض الواقع، الأمر الذي أكسبها احترام وتقدير آلاف السودانيين المستفيدين من المشروع.

بدوره أكد محمد عباس العاقب، ممثل شركة العزيزية للنقل، أن الشراكة مع كوفتي السودان تمثل نموذجاً ناجحاً للتعاون المجتمعي، مشيراً إلى أن الشركة سخرت إمكاناتها الفنية وخبراتها التشغيلية لضمان راحة وسلامة المسافرين.
وأوضح أن جميع الرحلات التي تم تنفيذها حتى الآن سارت بصورة جيدة، بفضل التنسيق المستمر بين مختلف الأطراف المشاركة، مع وجود متابعة ميدانية دقيقة لكل مراحل السفر.
أما الطالب بابكر محمد، أحد المستفيدين من المبادرة، فقد عبّر عن امتنانه الكبير للشركة، مؤكداً أن المشروع أتاح الفرصة لعدد كبير من السودانيين للعودة إلى وطنهم دون أعباء مالية، في وقت أصبحت فيه تكاليف السفر تمثل تحدياً حقيقياً للكثير من الأسر.
ومع اقتراب مشروع «عودة كوفتي» من بلوغ هدفه المعلن بتسيير خمسين بصاً مجانياً، تبدو المبادرة أكثر من مجرد برنامج للنقل. إنها قصة تضامن إنساني رسمتها أيادٍ آمنت بأن خدمة الناس مسؤولية قبل أن تكون عملاً خيرياً.
وفي كل رحلة جديدة تغادر القاهرة نحو السودان، تتجدد حكايات العودة. حكايات لأسر تستعيد دفء الوطن، وطلاب يعودون إلى مقاعدهم، ومرضى يستعيدون الأمل بالقرب من أهلهم. وبين كل تلك القصص يبقى اسم «كوفتي السودان» حاضراً بوصفه الجسر الذي عبر عليه آلاف السودانيين من الغربة إلى الديار، في واحدة من أبرز المبادرات الإنسانية التي شهدتها السنوات الأخيرة.

