مقالات

د. محمد عبد القادر سبيل يكتب: يابوس.. كنز السودان المضيع

بيننا وبين نهاية الخريف شهر. بعده ستجف الطرق الموحلة والأودية الموسمية المعرقلة لانسياب متحركات الجيش، وخلال هذا الشهر ستكون الحرب الاهلية المندلعة الآن في الجارة الغدارة قد انهكت غطرسة أبي أحمد وشغلته ببلوته.ولن تكون اثيوبيا بعدئذ معبراً أو منطلقا لتهديد السودان بعدوان جديد.

وإذا أضفنا الى هذين العاملين انسحاب قوات الدعم السريع من جنوب النيل الازرق الى غرب السودان لتلافي انهيار قواتها المتلاحق هناك.. فإننا إذاً أمام سانحة تاريخية قلما تتكرر من أجل تحرير كافة اراضي النيل الازرق حتى يابوس.

ويابوس لمن لا يعرفها هي أهم وأخطر قرية سودانية مجهولة، وهي آخر نقطة جهة الجنوب، لعلها بمثابة نمولي الجديدة حيث تقع في اقصى حدود محافظة الكرمك التي تقع جنوب النيل الازرق.
ولكن اهميتها الاستراتيجية اليوم تزداد بكونها قاعدة ومقراً لقوات جوزيف توكا المتحالف مع عبد العزيز الحلو، فكلاهما ينتميان للحركة الشعبية، وهكذا فإن يابوس هي نظيرة كاودا وفي اهميتها ووزنها الاستراتيجي.

من هذه القرية الاسطورية تنطلق في كل مرة القوات المتمردة نحو الكرمك ومنها تدار و ترتب قوافل الدعم اللوجيستي للغزاة.
لذلك فإن تحريرها في ظل هذه الظروف السانحة، سيعني تنقية النيل الازرق تماما من التمرد ومن احتمالات الهجوم المتكرر على الكرمك وقيسان وتهديد الدمازين مستقبلا.

لقد تعدد سقوط الكرمك وقيسان من جراء عدم تأمين تلك المنطقة بقاعدة عسكرية رادعة من قبل الجيش، ولقد آن الاوان لتدارك هذه الثغرة. اذ يجب ان تكون هنالك فرقة عسكرية متكاملة في بلدة شالي التي تقع في منتصف المسافة بين الكرمك ويابوس وتقدر في مجملها بحوالي 80 كيلومتر.

اعتقد انه من غير المناسب ان تظل مدينتا الكرمك وقيسان تحت سيطرة قوات جوزيف توكا بعد الآن، بل ينبغي السعي الحثيث لردهم الى حضن الوطن، لأن خطوتهم التالية هي السيطرة على الروصيرص والدمازين حيث السد الذي يغذي معظم السودان الاوسط بالكهرباء. كما ان تحرير هاتين المدينتين قد تكرر دون جدوى لعدم تحصين تحريرهما بصورة وافية عبر تجفيف منبع العدوان : يابوس، هذه الجوهرة التي ماتزال رهينة ثعبان التمرد منذ ثلاثة عقود.

ميزات اقتصادية:
يابوس بوابة تجارية تفتح على دولتين مجاورتين هما جنوب السودان واثيوبيا مما يجعلها همزة وصل وملتقى طرق ومحطة جمركية للتجارة الخارجية وممراً للتجارة الحرة العابرة للحدود.

ثانيا اراضيها سهلية منبسطة تمتد آلاف الكيلومترات تتمتع بالخصوبة العالية، وزد على ذلك وجود نهر موسمي مماثل لنهر القاش يسمى (خور يابوس) يبلغ طوله حوالى ٢٠٠ كيلومتر، الجزء الاكبر منه يقع داخل اراضي السودان ومن ثم يتجه جنوبا إلى اعالي النيل ويبقى متدفقاً من المرتفعات الاثيوبية طوال العام.
ومن المزايا التي لا يضحى بها معدلات هطول أمطار العالية جداً في هذه المنطقة وتوفر مصادر المياه الدائمة والتربة الطينية البكر المغذاة بطمي المرتفعات الاثيوبية.
اراضي يابوس شاسعة جداً تصلح لزراعة الفواكه بجانب محاصيل النقدية التي تفتقر اليها البلاد منها:

١. البن، صنف روبوستا (Robusta): حيث ينمو هذا النوع بنجاح في المناطق منخفضة الارتفاع (ما بين 200 إلى 800 متر) ويتحمل درجات الحرارة العالية والرطوبة المرتفعة المتوفرة هناك. علماً بأن يابوس تقع على اتفاع 550 متر فوق سطح البحر حوالى 1800 قدم.

2. الارز: تتميز هذه المنطقة بمقومات طبيعية استثنائية تجعلها بيئة مثالية لإنتاج هذا المحصول الذي تنفق عليه الدولة ٢٠٠ مليون دولار سنويا.

فيابوس تقع ضمن نطاق السافانا الغنية (الاستوائية)، حيث تتجاوز الأمطار عادةً 800 إلى 1000 ملم سنويًا. هذا يغطي حاجة الأرز العالية للمياه دون الاعتماد الكلي على الري الاصطناعي.

التربة الطينية الخصبة:
تحتفظ التربة في هذه المناطق بالمياه لفترات طويلة، وهي الميزة الأساسية التي يتطلبها نمو الأرز.
المناخ الدافئ:
توفر المنطقة درجات حرارة ملائمة (بين 20 و35 درجة مئوية) طوال فترة الصيف والخريف، وهي البيئة المثالية للمحصول.
3. الشاي:
تصلح منطقة يابوس لزراعة الشاي الجيد من الناحية المناخية والمائية بشكل كبير جداً. وتُصنف منطقة يابوس كواحدة من أفضل البيئات الواعدة لزراعة محصول الشاي في إقليم النيل الأزرق وفي السودان عامة، وذلك نظراً لتوفر العوامل البيئية والمناخية المواتية للمحصول حيث انها جيدة التصريف ومحاطة بجبال بركانية..

الخلاصة: يابوس كنز حقيقي مهمل ويكفي ان السودان يغفل عن نهر كامل يجري طوال العام ولا يذكره احد ضمن انهار السودان وتمتد على ضفتيه مئات الآلاف من السهول الخصبة تهطل عليها امطار كثيفة لمدة سبعة أشهر بمعدل يتجاوز ٨٠٠ ملم سنويا.

فلو عرف أهل السودان عن كثب حقائق وقيمة هذا المكان المدهش المهمل لخرجوا عن بكرة ابيهم ليحرروه ويستفيدوا من خيراته التي لا تحصى ولا تحاط.ويكفي ان يابوس هي البلدة الوحيدة في بلادنا التي تجمع بين ثلاث دول. وهي الوحيدة التي ينمو فيها نبات البامبو ( القنا).

اما آن الأوان؟:
كل الظروف الآن في صالح الجيش لحصاد النصر المبين وسيفعل حتما. ولكن تكرار الاحتفال بتحرير الكرمك كغاية وكفى، دون التقدم جنوبا نحو يابوس ( الجوهرة والثعبان) التي هي سبب العورة والانسحابات المستمرة.

والله الهادي الى سواء السبيل.

* خبير اداري ومحلل اقتصادي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى