مقالات

عبدالسلام العقاب يكتب: البرهان وتأشيرة الدخول لأمريكا

الأمم المتحدة منظمة دولية تضم في عضويتها دول العالم، والتي يبلغ عددها حالياً 193 دولة، وتمثل هذه الدول مجتمعة الجمعية العامة للمنظمة الأممية، التي تجتمع في دورة سنوية يحضرها رؤساء الدول والحكومات، أو من ينوب عنهم، لمناقشة القضايا والأحداث التي تهم العالم، وطرح وجهات نظر دولهم ومواقفها تجاهها.

وكما هو معلوم، فإن المقر الدائم للأمم المتحدة يقع في مدينة نيويورك الأمريكية، وقد أُبرم بين المنظمة والولايات المتحدة اتفاق خاص بمقر الأمم المتحدة ينظم وضع المقر وحقوق ممثلي الدول الأعضاء في الوصول إليه.

وبموجب هذا الاتفاق، تلتزم السلطات الأمريكية بعدم وضع عوائق أمام مرور ممثلي الدول الأعضاء إلى مقر الأمم المتحدة أو مغادرته، كما تنص أحكامه على إصدار التأشيرات اللازمة لهم دون رسوم وبأسرع ما يمكن، متى كانت مطلوبة لأداء مهامهم الرسمية.

ومن هنا يأتي السؤال الذي يفرض نفسه بشأن الفريق أول عبد الفتاح البرهان: هل كان من المفترض، بحكم مشاركته بصفته رئيساً لمجلس السيادة السوداني ورئيساً للدولة، وتمثيله السودان في ذلك المحفل الدولي، أن يحصل على التسهيلات اللازمة لدخول الولايات المتحدة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة؟.

فالمسألة لا تتعلق بمنح أمريكا تأشيرة دخول عادية لرئيس دولة كما تمنح لسائر المسافرين، وإنما تتعلق بالالتزامات المترتبة على استضافة الولايات المتحدة لمقر الأمم المتحدة، وبالإجراءات الخاصة بدخول ممثلي الدول الأعضاء للمشاركة في أعمال المنظمة.

والذي زاد الأمر إثارة أن تقارير صحفية، أبرزها تقرير لوكالة رويترز، أفادت بأن إصدار تأشيرة الفريق البرهان يبدو أنه تم ربطه بالموافقة على هدنة لمدة تسعين يوماً، ضمن المقترح الذي طرحه مسعد بولس، وذلك نقلاً عن مصدر دبلوماسي سوداني ومحلل غربي قريب من المسؤولين الأمريكيين والسودانيين.

وإذا صحّ أن التأشيرة قد رُبطت فعلاً بقبول تلك الهدنة، فإن السؤال يصبح أكبر من مجرد تأشيرة دخول: هل أصبحت التأشيرة وسيلة ضغط سياسي على السودان؟.

أم أن الأمر لا يعدو أن يكون إجراءً أمريكياً تراه واشنطن من صميم اختصاصها؟.

وبالمقابل، فإن الفريق البرهان، كما نُقل عنه، لم يقبل أن تكون مشاركته في اجتماعات الأمم المتحدة مشروطة بقبول وقف القتال الذي لا يراه متوافقاً مع مصلحة السودان أو مع موقف الدولة في هذه المرحلة.
وفي تقديري، ما كان له أن ينثني أو ينحني أمام مثل هذه الضغوط، إذا كان ثمن الدخول إلى قاعة الأمم المتحدة هو تقديم تنازل سياسي ترفضه القيادة السودانية.

وكيف له أن يقبل، وشعبه كتلاطم الأمواج، يهدر مؤكداً المؤازرة والتأييد المطلق، والرفض الصريح للرضوخ والاستسلام؟
وقد عبّر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عن قلقه العميق من عدم إصدار التأشيرة، وأكد أن الأمانة العامة للأمم المتحدة أثارت الأمر مع السلطات الأمريكية، داعياً إلى إصدارها وفق التزامات الولايات المتحدة بموجب اتفاقية المقر.

السيد الفريق البرهان،
العالم عامة، وأمريكا خاصة، لا يحترم إلا الأقوياء.
وإلا، فلماذا منحت تأشيرات لمسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة، رغم العداء السافر والحرب الشعواء القائمة بين الولايات المتحدة وإيران؟.

فقد وافقت أمريكا على تأشيرات للرئيس الإيراني ووزير خارجيته لحضور اجتماعات الجمعية العامة، مع فرض قيود على الحركة والشراء داخل الولايات المتحدة.

السيد الفريق البرهان،
السودان ليس خاسراً بالضرورة في هذه الجولة، بل قد يرى كثيرون أن مجرد رفض تحويل التأشيرة إلى أداة لفرض موقف سياسي يمثل موقفاً له دلالته.

والأمين العام للأمم المتحدة أبدى تذمراً واضحاً من عدم إصدار التأشيرة، كما أن الأمر أثار نقاشاً بشأن مدى التزام الدولة المضيفة بالتزاماتها تجاه ممثلي الدول الأعضاء، وهذا نصر آخر للقيادة السودانية.

وهنا تأتي المسألة الأهم:
إذا كانت الولايات المتحدة تستضيف مقر الأمم المتحدة، واتفاقية المقر تلزمها بتيسير وصول ممثلي الدول الأعضاء إلى مقر المنظمة، فهل يجوز أن تتحول التأشيرة الخاصة بالمشاركة في أعمال الجمعية العامة إلى ورقة ضغط لفرض هدنة أو موقف سياسي؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يظل مطروحاً، ليس للسودان وحده، وإنما أمام المنظمة الدولية نفسها.

السيد الفريق البرهان،
إن رفض الرضوخ للضغوط، إن صحت الرواية المتداولة حول ربط التأشيرة بالهدنة، يؤكد حقيقة ظل السودانيون يرددونها:
نحن شعب لن يُقهر، ولغير الله لن نركع، ولن نُذل ولن نُهان.

ختاماً، فإن الموقف الرسمي الذي تتداوله الوسائط العامة، بأن المملكة العربية السعودية ترفض هذا السلوك الأمريكي، وأنها إن لم تعدل أمريكا عن قرارها فإنها ستنسحب من الرباعية، معبرة عن موقفها الداعم للسودان، وهو موقف يقدره لها السودان حكومةً وشعباً.
هذا والله من وراء القصد.

0914210983
Wadalaqab@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى