محمد عثمان الرضي يكتب: يا برهان.. عالج البشير الآن ولا تجعلوا المرض عقوبةً أخرى

يا برهان.. القرار عندك.
لا يحتاج الأمر إلى مؤتمر.
ولا يحتاج إلى لجنة من عشرين شخصاً.
ولا يحتاج إلى بيان طويل.
رجل مريض يحتاج إلى علاج، والعلاج موجود خارج السودان.
إذن.. ماذا تنتظرون؟.
المشير عمر البشير حكم السودان ثلاثين عاماً. كان رئيس الجمهورية، وكان القائد الأعلى للقوات المسلحة. اختلفنا معه، خاصمناه، وانتقدناه، وأيدناه أو عارضناه. تلك صفحة من صفحات التاريخ.
لكن المرض ليس صفحة سياسية.
والبشير اليوم ليس مطلوباً منك أن تعيده رئيساً، ولا أن تمنحه صك براءة، ولا أن تغلق ملفاته القضائية.
المطلوب أبسط من ذلك بكثير: عالجه.
أنت، يا برهان، كنت ضابطاً في جيش يقوده البشير. وعشت في المؤسسة نفسها، وعرفت الرجل قائداً قبل أن يصبح رئيساً.
ولذلك فإن القضية بالنسبة لك ليست مجرد ملف على مكتب. إنها أيضاً اختبار للوفاء العسكري، واختبار لمعدن الرجال عندما يصبح أحدهم في أضعف حالاته.
لا تجعلوا المستشفى سجناً آخر.
ولا تجعلوا المرض امتداداً للخصومة السياسية.
من له حسابات مع البشير فليأخذها إلى القضاء. ومن يرى أنه أخطأ فليقل ذلك. ومن يريد محاكمته فليترك القضاء يقول كلمته.
أما المستشفى فليس محكمة. والطبيب ليس قاضياً. والمرض ليس جريمة.
إذا كانت إمكانات العلاج المتخصص غير متوفرة في السودان، فهذه ليست مسألة تحتاج إلى فلسفة. إنها تحتاج إلى قرار.
طائرة. فريق طبي. مستشفى متخصص. ضمانات قانونية. وانتهى الأمر.
لا أحد يطلب منك أن تمنح البشير امتيازاً سياسياً. المطلوب أن تمنحه حقاً إنسانياً.
وإذا كان القانون يحتاج إلى إجراءات، فأكملوا الإجراءات. وإذا كانت هناك ضمانات، فضعوها. وإذا كان القضاء مستمراً، فليستمر.
لكن لا تستخدموا القانون ذريعة لتأخير العلاج، ولا تستخدموا المرض عقوبةً لم ينص عليها القانون.
لقد عالج السودان كثيرين. وسافر مرضى كثيرون. وتكفلت الدولة بعلاج شخصيات وقيادات خارج البلاد. فلماذا يصبح البشير فجأة حالة مختلفة؟.
هل لأن الرجل كان رئيساً سابقاً؟ أم لأن الخصومة معه ما زالت أقوى من صوت الإنسانية؟
هنا السؤال.
وأنا لا أوجهه إلى طبيب، ولا إلى مستشفى، ولا إلى محامٍ. أوجهه إلى رأس الدولة.
يا برهان.. أنت تستطيع أن تنهي هذا الجدل بقرار واحد.
أرسل البشير للعلاج.
لا تنتظروا حتى يتحول الملف من علاج إلى مأساة. ولا تنتظروا حتى يأتي يوم يصبح فيه القرار بلا قيمة.
لأن التاريخ لا يرحم المتأخرين.
وقد يختلف السودانيون حول البشير مائة عام. لكنهم لن يختلفوا على أن الدولة يجب ألا تعاقب مريضاً بالمرض.
الرجل يمكن أن يُحاسب على السياسة. يمكن أن يُحاسب أمام القضاء. لكنه لا ينبغي أن يُحاسب في غرفة العمليات.
يا سيادة البرهان.. كن حاسماً هذه المرة.
أرسل البشير إلى الخارج للعلاج، وفق القانون، وتحمّل مسؤولية القرار كاملة.
فالقائد الحقيقي لا يُقاس فقط بكيفية تعامله مع رجاله عندما يكونون في مواقع القوة، وإنما يُقاس أيضاً بكيفية تعامله معهم عندما يسقط عنهم كل شيء إلا إنسانيتهم.
افعلها الآن.
لا غداً.
لا بعد اجتماع.
لا بعد لجنة.
الآن.
عالجوا البشير.
واتركوا السياسة للسياسيين.
واتركوا القضاء للقضاء.
واتركوا التاريخ للتاريخ.
أما الإنسانية.. فلا تؤجلوها.

