أخبار محلية

محيي الدين سالم: لا نقبل فرض حلول خارجية.. ونزع سلاح المليشيا شرط للسلام

الخرطوم: مسار برس

أكد وزير الخارجية السفير محيي الدين سالم أن الحكومة السودانية منفتحة على كل المبادرات الجادة لإنهاء الحرب وتحقيق السلام، شريطة احترام سيادة البلاد ووحدة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، مشدداً على أن أي تسوية مستدامة يجب أن تستجيب لإرادة السودانيين وألا تُفرض عليهم من الخارج.

وقال سالم، في الجزء الثالث من حواره حول السياسة الخارجية ورؤية الحكومة بشأن الملفات الإقليمية والدولية، إن السودان يتعامل بإيجابية مع المساعي التي تستهدف إنهاء الحرب واستعادة الاستقرار، لكنه لن يتنازل عن ثوابته الوطنية، مشيراً إلى أن بعض المبادرات لا تتجاوز البيانات العامة التي تصدر عقب الاجتماعات دون تقديم تفاصيل عملية تستجيب لتعقيدات الواقع السوداني.

وأوضح أن الحكومة قدمت رؤيتها للسلام إلى وفد المجموعة الخماسية الذي زار الخرطوم مؤخراً، مؤكداً أن موقف السودان يقوم على دعم أي مبادرة تتوافق مع ما يقرره الشعب السوداني، ورفض الحلول الخارجية المفروضة.

نزع السلاح وإبعاد المرتزقة

وحدد وزير الخارجية شرطين أساسيين لأي عملية تفاوضية تستهدف تحقيق سلام دائم، أولهما نزع سلاح المليشيا وفق ترتيبات نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR)، والثاني معالجة ملف المقاتلين الأجانب الذين قال إنهم يشكلون، بحسب تقارير دولية أشار إليها، نحو 60% من القوة التي تقاتل إلى جانب المليشيا.

وأكد سالم رفض الحكومة بقاء المرتزقة داخل السودان، داعياً إلى إبعاد أي أطراف أجنبية تتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد أو تقدم الدعم المالي والعسكري للمليشيا. وفي المقابل، أشار إلى أن الحكومة فتحت باب العودة أمام السودانيين الذين انضموا إلى المليشيا، لافتاً إلى انشقاق مجموعات منهم والتحاقها بالقوات المسلحة.

وأضاف أن التصور المطروح لمعالجة ملف المليشيا يتضمن نزع سلاحها وتجميع عناصرها في مكان واحد تحت إشراف الأمم المتحدة، معتبراً أن ما يجري في السودان تمرد على الدولة وليس حرباً بين طرفين متكافئين، كما وصفه.

وأشار الوزير إلى أن القوات المسلحة والقوات المساندة لها تواصل عملياتها الميدانية، معرباً عن توقعه استعادة السيطرة على المناطق التي لا تزال تشهد وجود المليشيا في غرب كردفان وولايات دارفور.

دول صديقة تدعم السودان

وفي ما يتعلق بالاتصالات الدبلوماسية الرامية إلى تهيئة المناخ للتسوية السياسية، أشاد سالم بمواقف عدد من الدول التي قال إنها ظلت تساند السودان في المحافل الدولية، من بينها مصر والسعودية وتركيا وباكستان وقطر وروسيا والصين والجزائر وإريتريا والصومال.

وأكد تقدير الحكومة لمواقف هذه الدول، مشيراً إلى استمرار التواصل مع الشركاء الإقليميين والدوليين بشأن تطورات الأزمة السودانية وسبل إنهائها.

وعزا الوزير إطالة أمد الحرب إلى التدخلات الخارجية، قائلاً إن استمرار تدفق السلاح والمقاتلين الأجانب أسهم في تعقيد الأزمة وإطالة المواجهات. واستشهد بما وصفه بأدلة على وجود معسكرات تدريب للمليشيا وتحركات لطائرات مسيّرة تستهدف أعياناً مدنية.

وأوضح أن الحكومة قدمت، وفق إفادته، معلومات وأدلة إلى جهات معنية بشأن مصادر بعض الطائرات المسيّرة، تشمل بيانات عن جهات التصنيع والطرازات والأرقام التسلسلية، مؤكداً استعداد السودان لعرض ما لديه من أدلة أمام المحاكم الدولية المختصة.

وشدد سالم على أن السودان لا يوجه اتهامات إلى أي دولة، بحسب قوله، دون الاستناد إلى أدلة، كما أكد أن بلاده لا تستهدف الاعتداء على الدول الأخرى، وإنما تسعى إلى ضمان أمنها ومنع استخدام أراضي الغير للإضرار بها.

تحرك دبلوماسي وشكاوى دولية

وقال وزير الخارجية إن الوزارة تواصل عرض الأدلة والشواهد المتعلقة بالحرب وتدفق السلاح على المنابر الدولية، مشيراً إلى أن السودان طالب، خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة الأخيرة، بإصلاح المنظومة الدولية ومعالجة الاختلالات التي قال إنها تحد من عدالة التمثيل داخل مؤسساتها، خصوصاً مجلس الأمن.

وأضاف أن الحكومة تقدمت بشكاوى إلى مجلس الأمن بشأن المليشيا والانتهاكات التي تتهمها بارتكابها والجهات التي تقول إنها تدعمها، مع تحديث الملفات بصورة مستمرة وإضافة معلومات ووثائق جديدة.

وكشف سالم عن إيداع وثائق تتعلق برفض منح تأشيرة دخول لرئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة، موضحاً أن القضية أُحيلت إلى لجنة المقر، إلى جانب عرضها على الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس الجمعية العامة والمستشار القانوني.

علاقات الجوار بين التعاون والتحديات

وفي حديثه عن علاقات السودان بدول الجوار، أشاد سالم بالدول التي استضافت السودانيين خلال الحرب، معرباً عن تقدير الحكومة لما قدمته من دعم. لكنه أشار إلى وجود تحديات أمنية على بعض الحدود، واتهم جهات ودولاً مجاورة بالسماح بتدريب عناصر من المليشيا واستقبال مرتزقة وتسهيل تحركاتهم، فضلاً عن تقديم الدعم المالي والعسكري لها.

وقال إن الهجمات التي تعرضت لها مناطق سودانية، من بينها الكرمك، تعكس خطورة ما وصفه بالتدخلات العابرة للحدود، مؤكداً أن السودان يسعى إلى إقامة علاقات قائمة على حسن الجوار والاحترام المتبادل، ويفتح أبوابه أمام كل من يرغب في علاقات إيجابية.

وأضاف أن السودان، بجيشه وشعبه، مستعد للدفاع عن أراضيه ومصالحه الوطنية، مشدداً على أن تحقيق جوار آمن يتطلب وقف أي أنشطة تستهدف استقرار البلاد.

العلاقات السودانية المصرية راسخة

ووصف وزير الخارجية العلاقات بين السودان ومصر بأنها تاريخية ومتجذرة، مؤكداً عدم وجود ما يغير طبيعتها الاستراتيجية، ومشيراً إلى امتلاك البلدين آليات تسمح بمعالجة أي خلافات قد تطرأ وتعزيز التعاون المشترك.

وقال إن الروابط بين البلدين تمثل أساساً مهماً للمضي بالعلاقات إلى الأمام، والحفاظ على المصالح المشتركة في مختلف المجالات.

واشنطن مطالبة بقراءة الواقع السوداني

وفي ما يتعلق بالعلاقات مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية، قال سالم إن الحكومة السودانية أبدت انفتاحاً على الطرح الذي طُرح عقب مبادرة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ومحادثاته مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مؤكداً أن الخرطوم ظلت مستعدة للحوار والتعاطي الإيجابي مع الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب.

وأشار إلى أن التواصل مع الجانب الأميركي مستمر عبر السفارة السودانية في واشنطن والبعثة في نيويورك، لكنه تحدث عن بطء في الاستجابة الأميركية، داعياً الإدارة الأميركية إلى مراجعة ما ينشر عن السودان في وسائل الإعلام والتعامل مع التطورات الميدانية بصورة أكثر واقعية.

وأكد حرص السودان على إقامة علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة تحقق المصالح المشتركة، لافتاً إلى أن للبلدين مجالات متعددة يمكن أن تشكل أساساً للتعاون.

خطة لجذب الاستثمارات وإعادة الإعمار

وكشف سالم عن أن حكومة الأمل وضعت خطة لجذب الاستثمارات والدعم والتمويل الخارجي لإعادة إعمار ما دمرته الحرب، موضحاً أن وزارة الخارجية تضطلع بدور في التعاون الدولي والملفات المرتبطة بالاستثمار والديون والقروض والمنح وبناء القدرات.

وأشار إلى إجازة الخطة من مجلس الوزراء، وعقد اجتماعات دورية مع الوزارات المعنية بالقطاع الاقتصادي، مؤكداً تحقيق نتائج وصفها بالإيجابية في إطار الجهود الرامية إلى توفير الدعم اللازم لمرحلة التعافي وإعادة الإعمار.

السودان يتحرك لاستعادة دوره في الاتحاد الأفريقي

وفي ما يتعلق بالعلاقات مع المنظمات الإقليمية، قال وزير الخارجية إن زيارة سكرتير الهيئة الحكومية للتنمية «إيقاد» إلى الخرطوم وافتتاح مكتب المنظمة يمثلان خطوة مهمة في مسار العلاقة، مؤكداً أن السودان استعاد وضعه الكامل داخل المنظمة، بحسب إفادته.

وأشاد بدور جيبوتي ورئيسها إسماعيل عمر جيله في دعم عمل المنظمة، مذكراً بأن السودان كان من الدول المبادرة إلى تأسيس إيقاد في ثمانينيات القرن الماضي.

أما بشأن الاتحاد الأفريقي، فأوضح سالم أن السودان لا يزال عضواً في الاتحاد، رغم تعليق مشاركته في بعض أنشطته، معتبراً أن القرار المتعلق بتعليق العضوية يحتاج إلى مراجعة وتصحيح.

وقال إن الحكومة طالبت الاتحاد الأفريقي بإعادة النظر في قراره، مشيراً إلى أنه طرح القضية خلال لقاء مع رئيس مفوضية الاتحاد في نيويورك، ودعا إلى إجراء تقصٍّ بشأن الأوضاع في السودان قبل اتخاذ مواقف مؤسسية.

وأضاف أن رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان ناقش القضية كذلك مع رئيس الاتحاد الأفريقي لهذا العام، رئيس بوروندي، مؤكداً أن الخرطوم تنتظر خطوات تعيد للسودان مشاركته الكاملة في أنشطة الاتحاد.

ورأى سالم أن استعادة السودان لدوره تمثل مصلحة للاتحاد الأفريقي نفسه، بالنظر إلى موقع السودان وأدواره السابقة في معالجة النزاعات بالقارة، مشيراً إلى أن بعض الأطراف الأوروبية باتت تؤكد أهمية إسهام السودان في تسوية القضايا الأفريقية.

رسالة للمواطنين: القادم أفضل

وفي ختام حديثه، وجه وزير الخارجية رسالة إلى المواطنين الذين أثقلت الحرب كاهلهم، داعياً إلى الصبر والثقة في قدرة البلاد على تجاوز الأزمة، ومؤكداً أن الحكومة تدرك حجم المعاناة الإنسانية والاقتصادية التي يعيشها السودانيون.

وقال سالم إن الدبلوماسيين السودانيين ينتمون إلى المجتمع نفسه ويشعرون بمعاناة المواطنين، مشيداً بتضحيات القوات المسلحة والشباب الذين يؤدون واجبهم في الدفاع عن البلاد.

وأكد أن مؤسسات الدولة تعمل بصورة مشتركة لحماية مصالح السودان في الداخل والخارج، معرباً عن ثقته في قدرة البلاد على تجاوز المحنة وإعادة البناء، ومشيراً إلى ما تمتلكه من موارد وإمكانات بشرية وطبيعية يمكن أن تسهم في تحقيق التعافي.

وختم بالتأكيد على أن السودان يتطلع إلى مرحلة أكثر استقراراً، وأن معاناة الحرب ستصبح، بإذن الله، جزءاً من ذاكرة الأجيال المقبلة، مع استمرار الجهود الرامية إلى حماية وحدة البلاد وسيادتها وتحقيق السلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى