مقالات

مشاهدات: خليل فتحي خليل يكتب: ثلاثة أرغفة بألف جنيه… من يوقف نزيف الخبز في كوستي؟

في كل صباح، يستيقظ المواطن بمدينة كوستي على واقع اقتصادي أكثر قسوة من اليوم الذي سبقه. وآخر فصول المعاناة تمثّل في الارتفاع المتواصل لأسعار الخبز، حتى أصبح مبلغ الألف جنيه لا يكفي سوى لشراء ثلاثة أرغفة فقط، بعد أن كان قبل فترة وجيزة يشتري خمسة أو ستة أرغفة. إنها قفزة مؤلمة تضرب مباشرةً قوت الأسر البسيطة التي أنهكتها الحرب، وضيق المعيشة، وتآكل مصادر الدخل.

المواطن اليوم لا يطلب رفاهية، ولا يبحث عن الكماليات، بل يسعى فقط إلى الحصول على رغيف يسد به جوع أطفاله. غير أن هذا الحق البسيط يبدو أنه أصبح رهينة للمبررات الجاهزة والشماعات التي تُعلَّق عليها الأزمات في كل مناسبة. فكلما ارتفع سعر سلعة، تكررت المبررات ذاتها: الحرب، وانقطاع الكهرباء، وارتفاع سعر الدولار، وزيادة تكاليف التشغيل. ورغم أن لهذه العوامل تأثيرها بلا شك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: إلى متى يظل المواطن وحده من يدفع الثمن؟

الأمر لا يتعلق بزيادة الأسعار فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى غياب الرقابة والمحاسبة. فعندما ترتفع الأسعار بصورة متواصلة ومن دون ضوابط واضحة، يصبح الباب مفتوحاً أمام الجشع والاستغلال. وقد وجد بعض أصحاب النفوس الضعيفة في الظروف الراهنة فرصة لتحقيق أرباح إضافية على حساب المواطن البسيط، الذي لا يملك بديلاً ولا يجد صوتاً يدافع عن حقوقه.

والأكثر إثارة للاستغراب هو حالة الصمت المطبق من الجهات ذات الصلة. فأين اتحاد المخابز من هذه الأزمة؟ وأين دوره في تنظيم القطاع وحماية المستهلك؟ المواطن لا يرى سوى مواقف باهتة وغياباً واضحاً للحلول، بينما تواصل الأسعار صعودها بلا توقف. وكأن الأمر لا يعني أحداً، أو كأن معاناة الناس أصبحت خبراً عادياً لا يستحق الوقوف عنده.

إن الخبز ليس سلعةً ترفيهية يمكن الاستغناء عنها، بل هو أحد أساسيات الحياة اليومية للمواطن. وعندما يتحول الحصول على الرغيف إلى عبء مالي ثقيل، فإن ذلك يمثل مؤشراً خطيراً يستوجب التدخل العاجل. والمطلوب اليوم ليس المزيد من التبريرات، بل إجراءات عملية وحاسمة تضبط الأسواق، وتحمي المستهلك، وتضع حداً للفوضى التي باتت سمة ملازمة لكثير من السلع الأساسية.

إن الشكوى اليوم نرفعها إلى جميع الجهات المسؤولة: إلى المحلية، ووزارة التجارة، والأجهزة الرقابية، واتحاد المخابز. فالمواطن لم يعد يحتمل مزيداً من الضغوط، ولم يعد قادراً على مجاراة هذا الارتفاع الجنوني في الأسعار. وإذا كان الجميع يبرر ويعتذر، فمن الذي سيتحمل مسؤولية حماية الناس وصون حقهم في العيش الكريم؟

ويبقى السؤال معلقاً في الهواء: هل سيأتي يوم يعود فيه الرغيف إلى سعره المعقول، أم سيظل المواطن يدفع فاتورة الأزمات وحده، بينما يكتفي الآخرون بالمشاهدة من بعيد؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى