مقالات

من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: ما تكون عنيد.. تحب ليك زول ما بِحِبْ !

بعض الأغنيات لا تشيخ، لأنها ببساطة لم تكن تغني لزمنها، و(طبع الزمن) لعز الدين هلالي، بصوت صلاح بن البادية، واحدة من تلك الأغنيات التي كلما ابتعدنا عن زمنها اقتربت منا أكثر

هلالي لم يكتب قصة عاشق منكسر، بل كتب اعترافاً إنسانياً كبيراً: نحن نعرف أن الحب وجع، ونعرف أن الزمن لا يرحم، ونعرف حكاية قيس وليلى، ونعرف أن الانتظار قد يلتهم العمر… وبرضو بنقول عايزين نحب!

هنا تكمن عبقرية النص. فالكلمات سودانية الروح، سهلة في مفرداتها، عميقة في إحساسها، لا تتفلسف على المستمع وإنما تضعه أمام نفسه (بنشيلو ريد، بنشيلو عز) ! ، الحب عند هلالي ليس نزوة، وإنما حمل ثقيل يحمله الإنسان بكرامته

واللحن لم يحاول أن ينافس الكلمة؛ ترك لها المساحة، ثم أخذها في مسار شجي يجعل (أصلو طبعك يا زمن) تبدو كأنها ليست لازمة غنائية، وإنما حكمة قالها رجل أتعبته الحياة

ثم يأتي صلاح بن البادية… وهنا تحدث الحكاية الأخرى، ذلك الصوت لا يغني الحزن، بل يؤدبه، لا يصرخ ولا يبالغ، وإنما يترك الجملة تنساب بوقار، فتصل إلى المستمع وكأنها ذكرى شخصية تخصه وحده ، وهذه إحدى أسرار بن البادية: أن تسمعه فتشعر أنه لا يغني أمامك، بل يغني من داخلك

ولهذا لم تسكن (طبع الزمن) في أذن السوداني فقط، وإنما استقرت في ذاكرته، لأن السوداني يعرف هذا النوع من الوجع، أن تصبر ولا تشتكي، أن تخسر ولا تنكسر، وأن تمضي في الطريق وأنت تعرف تماماً أن الطريق ليس رحيماً

لكن الأغنية لا تدلل القلب حتى النهاية، في آخرها تصفعه بالحقيقة: (وتحب ليك زول ما بحب… يعصر وراك دم القلب) فجأة يتحول الغناء من مواساة إلى محاكمة: ليس كل وجع سببه الزمن، أحياناً نحن الذين نصر على الباب الخطأ.

إني من منصتي استمع…. حيث أقول : طبع الزمن أغنية عن العمر حين يمضي، والقلب حين يعاند، والإنسان حين يعرف الثمن ثم يدفعه طوعاً.

وهذا بالضبط ما جعلها باقية:
أغنية تغني للوجع، لكنها لا تبكيه… تغنيه كما يغني السوداني حياته: موجوعاً، عزيزاً، وماشياً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى