إضاءات.. البروفيسور فكري كباشي الأمين العربي يكتب: كهرباء السودان وأهمية التفكير خارج الصندوق

أثارني واستفزني القرار والزيادة المهولة في تعريفة الكهرباء في ظل تداعيات هذه الحرب اللعينة وظروف النهب والسلب التي تعرض لها جموع الشعب السوداني مما أضطرهم للنزوح للمناطق الآمنة ليكابدوا صعوبة الاستقرار وتوفير موارد رزق لهم وتأمين السكن المناسب مع ارتفاع قيمة الإيجارات وانعدام مصادر دخل ليتم زيادة الطين بله بدخول فاتورة الكهرباء الباهظة كبعبع آخر، مع التزامي في التردي المريع في سريان التيار وصارت ساعات الانقطاع أعلى بكثير من ساعات الإمداد، وأول ما تبادر إلى ذهني سؤال مشروع: هل أخضع هذا القرار قبل اتخاذه إلى الدراسة عن إثارة، وهل توجد دراسة علمية رصينة حديثة توضيح الاحتياج الكلي للسودان من الكهرباء في الأماكن الأمنة وتشمل القطاع السكني والزراعي والصناعي وما حجم المنتج منها؟ وما حجم الفجوة ونسبتها؟.
وهل تم النظر إلى هذا القرار الكارثي من زاوية الاقتصاد السلوكي؟، باعتبار وفي الغالب سيقوم المواطنين مطرين إلى تقليل الاستهلاك في حدود ما يتوفر لهم من موارد وبالتالي لن تكون هناك زيادة في الإيرادات انما سينعكس ذلك بانخفاض الاستهلاك الكلي، لذلك اعتقد إن فرض زيادة في تعريفية الكهرباء على المواطنين في ظل تداعيات هذه الحرب اللعينة دون دراسة، تعتبر خطوة عشوائية ولا تعبر عن روح المسؤولية وانما تؤكد القصور في الأداء وعدم الكفاءة والجدارة للسعي الجاد في إيجاد وابتداع مصادر مالية لتمويل الانفاق.
وكان ينبغي على السادة القائمين على الأمر التفكير خارج الصندوق من خلال الاستفادة من ارتفاع درجات الحرارة غير المسبوق في عموم مناطق السودان هذا العام دون الفترات السابقة والذي يلازمه انقطاع سريان التيار الكهربائي في كافة المدن الآمنة والتي لم تصلها ألسنة نار الحرب اللعينة، وذلك من خلال التوجه الجاد نحو توليد الطاقة الشمسية خاصة أن البلد مقبلة على إعادة إعمار ما دمرته هذه الحرب اللعينة، وذلك للانطلاق من آخر ما توصل إليه العلم في تكنولوجيا الطاقة الشمسية بالاعتماد على إعلان فريق من الباحثين في جامعات بريطانية وصينية، حيث أعلنوا عن تطوير نوع جديد من الألواح الشمسية المزدوجة، يمكنه تقليل التكلفة بنسبة 70% مقارنة مع الألواح الشمسية التقليدية.
كل المؤشرات والدلائل تشير إلى انتهاء عصر الوقود الاحفوري واتجاه العالم لاستخدام المتحركات التي تعتمد على الطاقة الكهربائية في حركتها، كما هناك انباء تؤكد نجاح الأبحاث والدراسات التي تناولت الاستخدام الاقتصادي للطاقة المتجددة لتوليدو الكهرباء سواء كانت من الرياح او الطاقة الشمسية أو الغازات المستخلصة من مدخلات متجددة من خلال الاعتماد على مجموعة من السيارات والرقشات التي تعمل بالكهرباء وكذلك السيارات تعمل بغاز الهيدروجين المستخلص من الماء، والأمثلة من حولنا في المحيط الأفريقي والدول التي لديها قادة ملهمين تجاوزوا طريقة التفكير التقليدي مثل دولة موريتانيا والتي كي تتغلب على النقص الحاد في إمداد الكهرباء اتجهت نحو توفير الطاقة الشمسية بتنفيذ مشروع بتكلفة 30 مليون دولار بتمويل من دولة الإمارات.. وبذلك استطاعت التغلب على الانقطاع المستمر في انقطاع سريان التيار الكهربائي وكذلك معالجة شكاوى المواطنين عن ارتفاع تكلفة أسعار الكهرباء في حالة توفرها عن طريق التوليد الحراري.
ومثال آخر أكثر قوة في دولة مصر والتي عمدت على تنفيذ أكبر مشروع للطاقة الشمسية في العالم في المنطقة الواقعة في مدينة أسوان والتي تتميز بسطوع الشمس طوال العام.. وتبلغ الطاقة الإنتاجية للكهرباء 1650 ميغاواط .. ما يعادل 90% من إنتاج السد العالي.. وتبلغ تكلفة المشروع 3 مليار و400 ألف يورو … وتقوم بتنفيذه 39 شركة متخصصة، وكذلك
دولة المغرب وبشراكة مع شركة صينية تنشي محطة عالمية للطاقة الشمسية تغطي اكثر من 50% من احتياجاتها للطاقة الكهربائية في المرحلة الابتدائية… مع استمرار التطور للزيادة في إنتاج الطاقة المتجددة في المستقبل.
وأيضا دولة اثيوبيا رغم تشييد سد النهضة إلا أنها طرقت أبواب الطاقة المتجددة .. من خلال إنشاء أكبر مزرعة لإنتاج الكهرباء من طاقة حركة الرياح من خلال عقد شراكات ذكية مع شركات فرنسية وصينية ، وأيضا من الأفكار الخلابة تجربة إثيوبيا في إنتاج الكهرباء من القمامة، بتكلفة تعادل 450 مليون $ فقط.
المحطة بتحرق يومياً” 1400 طن من القمامة تعادل 80 % من قمامة العاصمة وبتولد ما يكفي 25% من استهلاك الكهرباء اليومي لأديس أبابا وبتنتج 3 مليون طوبة سنوياً” من الرماد وبتعيد تدوير 30 مليون لتر من الماء.
في رأيي ان تطبيق مثل هذه المشاريع في دولة السودان يمكن أن يوفر حلول وبدائل ملائمة وغير مكلفة بدلا من اللجوء إلى الحيطة القصيرة المتمثلة في المواطن المنهك واثقال كاهله بالمزيد من الأعباء.

