الجيلي إبراهيم بلولة البشير يكتب: المرونة في زمن الاضطراب: كيف يعيد رؤساء المخاطر رسم خريطة الأولويات المصرفية؟

في مشهد مصرفي تتسارع تقلباته وتتداخل فيه المخاطر المالية وغير المالية، تجاوز دور رئيس إدارة المخاطر (CRO) حدود قياس رأس المال ونسب السيولة، ليغدو موقعًا استراتيجيًا راسخًا عند تقاطع الصراعات الدولية، والتحول الرقمي، والثقافة المؤسسية. ويأتي تقرير EY/IIF ليعكس بوضوح هذا التحول الجذري، مؤكدًا أن أجندة صناع المخاطر باتت مسيّرة بقوى خارجية غير مسبوقة.
أولاً: صدارة التهديدات الخارجية يتربع الأمن السيبراني والمرونة التشغيلية على عرش الأولويات، بينما قفزت مخاطر الصراعات الدولية والتوترات التجارية إلى الواجهة. ولم تعد البنوك تواجه مخاطر محافظها فحسب، بل باتت رهينة بيئة عالمية متشظية تفرض الجاهزية لسيناريوهات استثنائية.
ثانياً: اضمحلال المخاطر المالية… وبقاء الحذر تراجعت المخاطر المالية التقليدية عن المراكز الأولى، إثر عقد من التشدد التنظيمي ونضج أدوات القياس؛ غير أن هذا الاطمئنان النسبي لا يُلغي اليقظة حيال الائتمان بالجملة والقطاع العقاري التجاري في ظل تباطؤ اقتصادي محتمل.
ثالثاً: أحداث العالم وصراعاته كمصدر دائم للتهديد لم تعد صراعات العالم وسياساته مجرد أخبار بعيدة، بل أصبحت جزءًا يوميًا من حسابات الخطر؛ فاضطراب حركة الشحن العالمية، وتغير القوانين، وتبدل التحالفات يعني أن “التقلب المستمر” أصبح هو القاعدة لا الاستثناء.
رابعاً: الذكاء الاصطناعي.. بين فرصة التمكين ومحاذير الحوكمة أضحى تبني الذكاء الاصطناعي ضرورة تشغيلية في التحليل وأتمتة العمليات، غير أنه يرتطم بتحديات جودة البيانات، وحوكمة النماذج، ونقص الكفاءات، مبرهنًا أن التقنية لا تغني عن الحوكمة بل تستوجبها بأعلى درجات النضج.
خامساً: الاستدامة ورأس المال البشري تظل مخاطر الإفصاح المناخي حاضرة في تشكيل الائتمان والسمعة، بينما يظل الإنسان – بمهاراته المتقدمة في الأمن السيبراني وعلوم البيانات – هو الرهان الاستراتيجي الأكبر لتجاوز دور مراقب الامتثال إلى هندسة القدرات وصناعة الثقافة.
سادساً: تمكين دور الخطوط الدفاعية ومجالس الإدارات لم تعد رؤية المخاطر تقف عند حدود التقارير الدورية، بل امتدت لتصبح شريكاً مباشراً في صياغة “شهية المخاطر” (Risk Appetite) عبر غرف مجالس الإدارات. إن تمكين الخطوط الدفاعية الثانية والثالثة يتطلب استقلالية تامة وقدرة استباقية على إيقاف العمليات التي تتجاوز حدود الأمان المؤسسي، مما يحول إدارة المخاطر من مجرد درع وقائي إلى بوصلة استراتيجية ترشد النمو الآمن.
بين الأفق العالمي والواقع السوداني
تتجسد هذه التحولات بقسوة وعمق في الواقع المصرفي السوداني؛ حيث تواجه المصارف تحديات استثنائية وغير مسبوقة تتمثل في إدارة المخاطر التشغيلية القصوى، وضمان استمرارية الأعمال البنكية،
وحماية البنية التحتية التقنية والبيانات وسط بيئة تشغيلية بالغة التعقيد. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد الأمن السيبراني واستمرارية التقنية ترفاً تقنياً، بل طوق نجاة لضمان بقاء المنظومة المالية. كما أن تداعيات الأزمات الاقتصادية والتقلبات الحادة تفرض على إدارات المخاطر إعادة هندسة نماذج الإقراض، وحماية الأصول، وتأمين قنوات البديلة للخدمات المصرفية الرقمية التي باتت شريان الحياة الوحيد للمتعاملين.
خلاصة القول:
لم يعد رئيس المخاطر حارسًا على الهامش، بل صانع قرار في قلب المعادلة المصرفية الحديثة. والشركات التي ستنجح وتتفوق في عصر اللايقين ليس بالضرورة الأكبر حجماً أو الأكثر أموالاً، بل “الأكثر وعياً بالمخاطر، والأقدر على تحويل الصعاب إلى فرص نجاح.
اذن نستنتج مما سبق انه “لم يعد رئيس المخاطر يحرس الماضي… بل يصوغ احتمالات المستقبل.”
المصدر:
تقرير EY/IIF السنوي الرابع عشر لإدارة المخاطر المصرفية العالمية (CRO Priorities).
* خبير الحوكمة وإدارة المخاطر واستدامة القيمة المؤسسية

