مقالات

الدكتور محمد إحسان يكتب: الشرق الأوسط الجديد: من يملك حق بناء المستقبل؟ (3)

لماذا يعود الشرق الأوسط القديم باستمرار؟

تتضح عبر هذه التجارب التاريخية أنماط متكررة. فقد سعى نابليون إلى تحقيق مكاسب استراتيجية من خلال الغزو العسكري. وأعادت القوى الإمبراطورية الأوروبية تنظيم الأراضي وفقاً لمصالحها المتغيرة. ووعدت الحركات القومية بالتحرر، لكنها أنتجت أحياناً دولاً سلطوية.

وادعت الحكومات الثورية أنها تجسد إرادة الشعب، بينما كانت تقيد التعددية السياسية. وسعت قوى إقليمية إلى توسيع نفوذها من خلال التحالفات العسكرية والتنظيمات المسلحة. كما وعدت الحكومات الغربية بتحقيق التحول الديمقراطي، لكنها قللت من صعوبة إعادة بناء المؤسسات السياسية بعد الحرب.

اختلفت هذه المشروعات في أهدافها وأساليبها ونتائجها، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها متطابقة أو تحميلها مسؤولية متساوية عن كل صراع. ومع ذلك، اشترك كثير منها في افتراض أساسي، مفاده أن الشرق الأوسط يمكن تحويله من خلال تركيز السلطة في أيدي طرف يعتقد أنه يمتلك المعرفة أو السلطة أو المهمة التاريخية اللازمة لتحديد مستقبل المنطقة.

وقد أخفق هذا الافتراض مراراً في مراعاة تعقيد المجتمعات المعنية.

فالشرق الأوسط ليس أمة واحدة، ولا مجتمعاً دينياً متجانساً، ولا نظاماً سياسياً ينتظر حلاً أيديولوجياً نهائياً. إنه يضم العرب والأكراد والأتراك والفرس وشعوباً أخرى كثيرة. كما يضم المسلمين والمسيحيين واليهود والإيزيديين وجماعات دينية أخرى، لكل منها تنوعها الداخلي وتجاربها التاريخية الخاصة. وتختلف مجتمعاته في تقاليدها السياسية وهياكلها الاقتصادية وتنظيمها الاجتماعي وعلاقات الدين بالحياة العامة.

ولا تجعل هذه الاختلافات التعايش مستحيلاً، كما لا تعني أن الصراع حتمي. لكنها تجعل الترتيبات السياسية القائمة على الهيمنة خطيرة على نحو خاص، لأن إقصاء جماعة واحدة يمكن أن يتحول سريعاً إلى مصدر لانعدام الأمن لدى جماعات أخرى.

ولذلك، يتعين على أي نظام إقليمي مستدام أن يعالج عدداً من المشكلات المترابطة.

أولاً، يتعين على الدول تطوير مؤسسات أقوى من الأفراد الذين يقودونها. فعندما يصبح الرئيس أو الملك أو الحزب أو المؤسسة العسكرية أو الحركة الثورية غير قابل للتمييز عن الدولة نفسها، يصبح انتقال السلطة أزمة وطنية محتملة. ويجب أن تكون المؤسسات المستدامة قادرة على تجاوز التغييرات في القيادة من دون الانهيار في العنف.

ثانياً، ينبغي فهم السيادة باعتبارها مسؤولية تجاه المواطنين، لا مجرد مطالبة في مواجهة التدخل الأجنبي. فالحكومة التي تحمي استقلالها بينما تحرم سكانها من حقوقهم السياسية قد تحافظ على سلطتها، لكنها لا تقيم بالضرورة نظاماً سياسياً شرعياً. وبالمثل، لا تستطيع قوة أجنبية تستند إلى حقوق الإنسان لتبرير تدخلها أن تفترض أن استخدام القوة العسكرية سيعزز تلك الحقوق تلقائياً.

ثالثاً، يجب ألا تتحول الهوية الوطنية إلى أداة للإقصاء. فالقومية العربية والقومية التركية والقومية الكردية والهوية الوطنية الفارسية وغيرها من أشكال الانتماء الجماعي يمكن أن توفر التضامن والإحساس بالهدف التاريخي. لكنها تصبح خطيرة عندما تُجعل الحقوق السياسية للأفراد والجماعات مشروطة بالتوافق مع هوية الجماعة المهيمنة. والتحدي ليس إلغاء الهوية الوطنية، بل التوفيق بينها وبين المواطنة المتساوية والحقوق المشروعة للآخرين.

رابعاً، يجب إدارة الاختلافات الدينية والأيديولوجية من خلال المؤسسات، لا عبر صراعات دائمة من أجل الهيمنة. فلا تستطيع أي طائفة أو مؤسسة دينية أو حزب ثوري أو حركة أيديولوجية تحقيق الاستقرار الدائم من خلال مطالبة الآخرين بالخضوع غير المشروط. فالأنظمة السياسية التي تتعامل مع الاختلاف باعتباره خيانة تشجع المعارضة حتماً على التطور خارج المؤسسات المعتادة، وأحياناً من خلال حركات مسلحة تزيد من إضعاف الدولة.

خامساً، يجب أن تخدم الموارد الاقتصادية تنمية المجتمع، لا بقاء النخب الحاكمة. ويوضح تاريخ النفط في الشرق الأوسط الفرص الهائلة التي تتيحها الثروة الطبيعية، لكنه يبرز أيضاً مخاطر الفساد والمحسوبية والتبعية الاقتصادية والتنافس على عائدات الموارد. فالثروة وحدها لا تستطيع إنشاء مؤسسات فاعلة. ومن دون المساءلة والحكم الكفؤ، يمكن حتى للموارد الطبيعية الكبيرة أن تصبح مصدراً للهشاشة السياسية.

وأخيراً، يجب أن يعترف النظام الإقليمي بأن أمن مجتمع ما لا يمكن بناؤه بصورة دائمة على انعدام أمن مجتمع آخر. فمحاولات فرض الهيمنة، أو إنشاء كيانات سياسية تابعة، أو تطويق المنافسين بجماعات مسلحة معادية، قد تحقق مكاسب استراتيجية قصيرة الأمد، لكنها تولد أيضاً إجراءات مضادة وانعداماً للثقة وأزمات متكررة. ومن غير المرجح أن توفر الترتيبات الأمنية التي تتجاهل المصالح المشروعة للمجتمعات المجاورة أساساً دائماً للسلام.

وليست هذه مشكلات يمكن حلها بإعلان كبير جديد، أو عقيدة ثورية أخرى، أو حملة جديدة لإعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة. بل تتطلب فهماً مختلفاً لما يعنيه التحول السياسي فعلياً.

يجب أن ينبثق شرق أوسط جديد من داخله
إذا كانت المحاولات السابقة لإعادة تنظيم الشرق الأوسط قد أخفقت مراراً في تحقيق أهدافها، فمن أين ينبغي أن يبدأ تحول أكثر استدامة؟
تكمن الإجابة في الاعتراف بقدرة شعوب المنطقة على الفعل وتحديد خياراتها، مع الإقرار بأن امتلاكها زمام المبادرة داخلياً لا يضمن النجاح وحده. فالحكومات والحركات المحلية يمكن أن تكون سلطوية أو إقصائية أو مدمرة بقدر القوى الأجنبية. ومجرد نشوء مشروع داخل المنطقة لا يجعله شرعياً، كما أن استناده إلى الاستقلال الوطني لا يعني أنه يخدم مصالح السكان.

وليس السؤال الحاسم مجرد ما إذا كان التحول يأتي من الخارج أم من الداخل، بل ما إذا كانت العملية تقوم على القبول، والمؤسسات الخاضعة للمساءلة، والشمول السياسي، واحترام حقوق الذين سيعيشون مع عواقبها.

يجب أن يكون لشعوب الشرق الأوسط الدور الأساسي في تحديد مستقبلها السياسي. فالعرب والأكراد والأتراك والفرس وغيرهم من مجتمعات المنطقة ليسوا مضطرين إلى التخلي عن هوياتهم أو محو اختلافاتهم التاريخية من أجل بناء نظام أكثر استقراراً. بل يتعين عليهم إيجاد سبل للتعاون من دون المطالبة بالتجانس، والدفاع عن مصالحهم من دون إنكار حقوق الآخرين، والسعي إلى تحقيق تطلعاتهم الوطنية من دون تحويلها إلى مشروعات للهيمنة.

وسيتطلب ذلك تسويات صعبة. كما سيتطلب من الدول احترام سيادة بعضها بعضاً، ومن الحركات السياسية قبول حدود سلطتها، ومن التنظيمات المسلحة الاعتراف بأن الأمن الدائم يعتمد على مؤسسات شرعية، لا على الإبقاء إلى أجل غير مسمى على قوة عسكرية مستقلة. وسيتطلب أيضاً من الحكومات الأجنبية الاعتراف بحدود التدخل العسكري، ودعم العمليات السياسية من دون افتراض أن مستقبل المنطقة يمكن تصميمه في عواصم بعيدة.

ولا ينبغي أن يعني التعاون الإقليمي إنشاء دولة عظمى واحدة أو فرض هوية سياسية موحدة على مجتمعات مختلفة. بل يمكن أن يبدأ بترتيبات عملية تعالج المصالح المشتركة، بما في ذلك التجارة والأمن المائي والطاقة والبنية التحتية والتحديات البيئية وحماية الأقليات والإدارة السلمية للنزاعات. ويمكن للتعاون في هذه المجالات أن يرسخ ممارسات التشاور والاعتماد المتبادل، من دون اشتراط أن تتبنى جميع الحكومات الأيديولوجيا أو النظام السياسي نفسه.

ولن تكون هذه العملية سريعة أو خطية تماماً. فقد تتراجع الإصلاحات السياسية، وتضعف المؤسسات الديمقراطية، وتقوض الأزمات الإقليمية سنوات من التقدم. لكن النظام السياسي القائم على التفاوض والمؤسسات الخاضعة للمساءلة يمتلك أساساً أقوى للصمود أمام الخلافات من نظام يعتمد على الإكراه والسلطة المطلقة لقائد واحد.
وينبغي ألا يكون الهدف إقامة شرق أوسط خالٍ من الاختلافات، بل إنشاء شرق أوسط لا تعود فيه الاختلافات سبباً لصراعات وجودية من أجل البقاء السياسي.

الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وحدود الإصلاح المفروض من الخارج

يستحق الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 اهتماماً خاصاً، لأنه كشف أحد أعمق التناقضات في الطموح الحديث إلى إنشاء شرق أوسط جديد. فقد كان صدام حسين ديكتاتوراً وحشياً ارتكبت حكومته انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وقمعت المعارضة السياسية بعنف، وألحقت معاناة هائلة بالمجتمع العراقي. وأنهت إزاحته ديكتاتورية حكمت من خلال الخوف والقمع وتركيز السلطة. لكن الإطاحة بطاغية، مهما بدت ضرورية أو مرغوبة، لا تؤدي تلقائياً إلى قيام نظام سياسي شرعي قادر على أن يحل محل النظام الذي جرى تدميره.

وقد بُرر التدخل بقيادة الولايات المتحدة بعدد من الحجج، من بينها المخاوف الأمنية، وإزالة أسلحة الدمار الشامل التي لم يُعثر عليها قط، واحتمال إقامة عراق ديمقراطي. وبالنسبة إلى بعض مؤيدي التدخل، كان يُتوقع أيضاً أن يؤثر تحول العراق في الشرق الأوسط الأوسع، من خلال إظهار إمكانية استبدال الحكومات السلطوية وإمكان قيام مستقبل سياسي مختلف. ولذلك، لم يكن العراق مجرد هدف عسكري، بل أصبح جزءاً من طموح أكبر بكثير لإعادة تشكيل المشهد السياسي للمنطقة.

وتمثلت المشكلة الأساسية في افتراض أن إزاحة حكومة سلطوية وإدخال مؤسسات سياسية جديدة يمكن أن يحققا تحولاً ناجحاً من دون مراعاة كافية للمجتمع الذي يفترض أن تعمل تلك المؤسسات داخله. فقد أدى الانهيار السريع لنظام صدام حسين إلى فراغ سياسي، في حين أضعف حل الجيش العراقي وإجراءات اجتثاث البعث الواسعة هياكل الدولة القائمة، وأسهمت في انعدام الأمن الذي أعقب ذلك.

وتفاعلت هذه القرارات مع إرث الديكتاتورية والتوترات الطائفية والتمرد وطموحات الأطراف السياسية العراقية المتنافسة وتدخل الدول المجاورة. وكانت النتيجة عملية أكثر تعقيداً وتدميراً بكثير مما توقعه مهندسو التدخل.

ولا يمكن إرجاع الإخفاق في إقامة نظام سياسي مستقر وذي شرعية واسعة إلى قرار أو طرف واحد. فقد أسهم التاريخ السياسي للعراق، ووحشية النظام السابق، والقرارات التي اتخذتها سلطات الاحتلال، وسلوك النخب السياسية المحلية، وأفعال الجماعات المسلحة، جميعها في تشكيل النتيجة. ومع ذلك، أظهرت التجربة حدود استراتيجية بالغت في الثقة بقدرة القوة العسكرية الخارجية على إعادة تنظيم مجتمع آخر.

وهذا التمييز أساسي. فالاعتراف بجرائم صدام حسين لا يقتضي استنتاج أن التدخل الذي أطاح به كان ناجحاً من الناحية الاستراتيجية. وبالمثل، فإن الاعتراف بالعواقب الكارثية للغزو لا يقتضي تمجيد الديكتاتورية التي سبقته. إذ يمكن أن تكون حقيقتان قائمتين في الوقت نفسه: أن يتحرر بلد من حاكم وحشي، وأن يعاني مع ذلك من تحول سياسي يفشل في تحقيق الاستقرار والأمن والحكم الخاضع للمساءلة التي وُعد بها.

وتقدم تأملات كوندوليزا رايس بشأن السياسة الخارجية الأمريكية وتجربة العراق منظوراً مهماً لهذا التناقض. ففي مذكراتها «لا شرف أعلى: مذكرات سنواتي في واشنطن»، تناقش رايس تحديات السياسة الخارجية الكبرى لإدارة جورج دبليو بوش، بما في ذلك العراق وصعوبات تحقيق الأهداف الأمريكية في الشرق الأوسط. وينبغي فهم تأملاتها الأوسع بشأن المنطقة في سياق إدارة كانت تؤمن بأن التحول السياسي يمكن أن يسهم في إقامة نظام دولي أكثر أمناً، لكنها واجهت الصعوبات الهائلة المتمثلة في تحويل ذلك الطموح إلى واقع. وظل التمييز بين الطموح إلى إعادة تشكيل المنطقة والقدرة على إقامة نظام مستقر إحدى المشكلات المركزية للسياسة الأمريكية.

وتثير التجربة أيضاً سؤالاً أكثر جوهرية بشأن فكرة الشرق الأوسط الجديد: من يمتلك سلطة تحديد ما ينبغي أن تصبح عليه المنطقة؟ وما الذي يمنح نظاماً سياسياً صُمم خارجياً الشرعية اللازمة لاستمراره؟ فقد تمتلك قوة أجنبية القدرة العسكرية على إزاحة حكومة، والموارد المالية لدعم إعادة الإعمار، لكنها لا تستطيع افتراض أن هذه المزايا تمنحها قدرة مماثلة على إيجاد القبول السياسي، أو التوفيق بين المجتمعات المتنافسة، أو إنشاء مؤسسات ينظر إليها المواطنون باعتبارها مؤسساتهم.

وهذه ليست حجة ضد الديمقراطية أو الإصلاح السياسي أو المساعدة الدولية، كما أنها لا تعني أن المجتمعات يجب أن تظل أسيرة الأنظمة السياسية التي ورثتها عن ماضيها. بل هي حجة تتعلق بالوسائل التي يصبح من خلالها التحول الدائم ممكناً. فالدعم الخارجي يمكن أن يساعد على تهيئة الظروف للإصلاح، لكنه عندما يحاول أن يحل محل الملكية السياسية المحلية، فإنه يخاطر بإنتاج مؤسسات موجودة من الناحية الرسمية، لكنها تظل هشة من الناحية العملية.

ولذلك، تعزز تجربة العراق استنتاجاً أساسياً من هذه الدراسة التاريخية. فإخفاق التحول المفروض من الخارج لا يثبت أن الشرق الأوسط عاجز عن التغيير، بل يوضح أن التغيير لا يمكن قياسه بمجرد سقوط ديكتاتور أو تشكيل حكومة جديدة. فالاختبار الأهم هو ما إذا كان النظام السياسي الناتج قادراً على حماية مواطنيه، والحفاظ على الأمن العام، واستيعاب المصالح المتنافسة، والاستمرار من دون الاعتماد على السلطة المستمرة للقوة التي أنشأته.

لقد غيّرت إزاحة صدام حسين المشهد السياسي في العراق، لكنها لم تحسم السؤال الأعمق المتعلق بكيفية بناء دولة تحظى بثقة شعب مجتمع منقسم ومصاب بصدمة عميقة. ولم يكن من الممكن إنجاز هذه المهمة بالانتصار العسكري وحده، بل كانت تتطلب تسوية سياسية شرعية، واستمرارية مؤسسية، وعملية إعادة إعمار يمتلك فيها العراقيون أنفسهم سلطة ومسؤولية تحديد مستقبل بلدهم.

ومن هذا المنظور، أصبح العراق أحد أهم الدروس التي أفرزها الطموح الحديث إلى إنشاء شرق أوسط جديد. فقد أظهر أن تدمير نظام قديم، حتى وإن كان قائماً على القمع والخوف، ليس سوى بداية التحول السياسي. وما لم تكن المؤسسات التي تعقبه شرعية وشاملة وقادرة على الحكم بفاعلية، فإن وعد البداية الجديدة قد يفسح المجال لصراع آخر طويل الأمد على السلطة.

ولم يكن الإخفاق الأساسي في الاعتراف بأن العراق يحتاج إلى مستقبل سياسي مختلف، بل في الاعتقاد بأن هذا المستقبل يمكن ضمانه أساساً من خلال إزاحة نظام قائم وفرض إطار سياسي جديد. فلا يمكن لقوة خارجية أن تقدم نظاماً دائماً إلى مجتمع ما بصورة جاهزة؛ بل يجب أن يكتسب شرعيته من خلال مشاركة الشعب المتوقع منه العيش في ظله.

السؤال الأخير: من يملك حق بناء المستقبل؟
من حملة نابليون على مصر عام 1798 إلى غزو العراق عام 2003، ومن الوعود الثورية للقومية العربية إلى المشروعات المتنافسة للحركات الدينية والأيديولوجية، يكشف تاريخ الشرق الأوسط الإخفاق المتكرر لأولئك الذين يخلطون بين القدرة على فرض التغيير والقدرة على إنشاء نظام سياسي مستدام.

لقد تغيرت الأسماء والعقائد والأدوات، لكن الطموح الأساسي ظل مستمراً بصورة لافتة. فمراراً وتكراراً، وعد الحكام والحركات بإنهاء إخفاقات الماضي من خلال فرض بداية جديدة وحاسمة. ومراراً وتكراراً، قوض تعقيد المجتمع والصراع على السلطة وغياب المؤسسات الشرعية طموحاتهم.

قد تتحدث الإمبراطورية الأجنبية والديكتاتور العسكري والحزب الثوري والحركة الدينية والمتسلط القومي بلغات سياسية مختلفة، لكن أياً منها لا يستطيع إقامة نظام دائم بمجرد ادعاء امتلاك الرؤية الصحيحة للجميع.

وتثبت تجربة العراق بعد عام 2003 أن قوة أجنبية تستطيع الإطاحة بحكومة من دون إنشاء بديل شرعي لها. كما يثبت انهيار الجمهورية العربية المتحدة أن الهوية الوطنية المشتركة لا تستطيع الحفاظ على الوحدة عندما تُوزع السلطة السياسية بطريقة تحرم الشركاء من المشاركة الحقيقية. ويبين تاريخ الأنظمة القومية السلطوية أن الدولة يمكن أن تراكم القوة القسرية، بينما تقوض المؤسسات اللازمة لاستقرارها على المدى الطويل. كما توضح العواقب الإقليمية للتنافس الثوري أن حركة تدعي تحرير جماعة واحدة قد تسهم في انعدام الأمن عندما تسعى إلى توسيع نفوذها من خلال هياكل مسلحة تضعف سيادة دول أخرى.

ولا تثبت هذه التجارب أن الإصلاح مستحيل، أو أن المنطقة محكوم عليها بالصراع الدائم، أو أن كل محاولة للمساعدة الخارجية محكوم عليها بالفشل. بل تثبت أمراً أكثر دقة وأهمية: لا يمكن استدامة التحول السياسي بالقوة والأيديولوجيا وحدهما. فهو يتطلب الشرعية والقدرة المؤسسية والثقة الاجتماعية وقبول حقيقة أن أي طرف لا يستطيع احتكار تعريف الصالح العام بصورة دائمة.

ولذلك، لا ينبغي فهم الشرق الأوسط الجديد باعتباره مشروعاً لاستبدال قوة مهيمنة بأخرى، أو ديكتاتورية بأخرى، أو أيديولوجيا إقصائية بأخرى، أو هيمنة إقليمية بأخرى منافسة. فقد تؤدي مثل هذه التغييرات إلى تعديل توزيع القوة، لكنها لا تعالج بالضرورة الظروف التي تنتج عدم الاستقرار.

إن شرق أوسط جديداً بحق يجب أن يكون جديداً بمعنى أكثر جوهرية؛ منطقة تكون فيها الدولة ملكاً لمواطنيها لا لحاكم أو حزب، ولا تستلزم فيها الهوية الوطنية إقصاء الأقليات، ولا يحدد فيها الانتماء الديني حدود الحقوق السياسية، ويصبح فيها التعاون الإقليمي ممكناً من دون إخضاع المجتمعات الأضعف للأقوى.

وفوق كل ذلك، ستكون منطقة تستمد فيها الشرعية السياسية من القدرة على الحكم بعدالة، وحماية الحقوق، وتوفير الأمن، وإتاحة الفرصة لمختلف المجتمعات لتقاسم مستقبل سياسي واحد، لا من القدرة على فرض رؤية معينة.

وربما كان أكبر أخطاء القرنين الماضيين الاعتقاد بأن الشرق الأوسط يحتاج إلى من يعيد تشكيله، شريطة أن يمتلك القوة الكافية لفرض نظام جديد. لكن تاريخه يشير إلى نتيجة مختلفة. فالمنطقة لا تفتقر إلى الهويات أو الموارد أو التقاليد الفكرية أو التطلعات السياسية. وإنما ظلت تواجه صعوبة متكررة في إقامة إطار مستدام تستطيع من خلاله هذه الاختلافات والطموحات التعايش من دون أن تتحول إلى مصادر دائمة للصراع.

وليست المهمة محو الشرق الأوسط الذي صنعه التاريخ، ولا استعادة ماضٍ متخيل لم تكن فيه صراعات، بل بناء مؤسسات وعلاقات قادرة على مواجهة المشكلات الحقيقية للمنطقة من دون إعادة إنتاج إخفاقات التحولات السابقة.

ولا يمكن أن تكون هذه المهمة حكراً على واشنطن أو لندن أو باريس أو موسكو أو أنقرة أو طهران أو الرياض أو أي عاصمة خارجية أو إقليمية أخرى. كما لا يمكن أن تكون حكراً على ديكتاتور أو حركة ثورية أو وصيّ يعيّن نفسه حارساً للهوية الوطنية أو الدينية.

فشرعية هذا النظام يجب أن تأتي في نهاية المطاف من الشعوب التي ستعيش في ظله.

ولن يصبح الشرق الأوسط جديداً لمجرد تغير حدوده أو سقوط حكامه أو تقدم جيوشه أو استبدال شعاراته الأيديولوجية. بل سيصبح جديداً عندما لا تعود السلطة السياسية تُعامل باعتبارها ترخيصاً للهيمنة، وعندما يصبح التعايش مبدأً من مبادئ الحكم لا تنازلاً مؤقتاً، وعندما تتمكن شعوب المنطقة من تشكيل مستقبلها المشترك من دون أن تُجبر على التخلي عن اختلافاتها.

وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل الشرق الأوسط الجديد طموحاً قديماً يُقدَّم مراراً باعتباره بداية جديدة.

إن مستقبل الشرق الأوسط لن تؤمّنه القدرة على إعادة تنظيمه، بل الحكمة في بناء نظام سياسي لا تعود شعوبه مضطرة فيه إلى الخوف بعضها من بعض كي تتمكن من البقاء.

* الأمين العام لـ AAPSO

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى