مقالات

حاطب ليل.. دكتور عبد اللطيف البوني يكتب: القدوة في مكافحة الفساد..

(1)

ارتباط الفساد المالي والإداري بالحكم لا يحتاج إلى درس عصر.. فالعلاقة بينهما كالعلاقة بين الماء والخمر بتوصيف أبي فراس الحمداني.. لذلك ما من نظام حكم في الدنيا إلا لديه أذرع وأدوات لمحاربة الفساد.. طبعًا هذا بالإضافة للقوانين الموجودة أصلًا.. ففي أي دولة من دول العالم توجد القوانين الجنائية والمدنية، بكافة إجراءاتها، لمحاربة أي انحراف.. ولكنها ليست كافية.. لذلك نجد الوزارات والمفوضيات والهيئات والمجالس التي أُنشئت لمكافحة الفساد.. تختلف المسميات والهدف واحد.. النزاهة.. الشفافية.. مقاومة ومكافحة الفساد..

ومع ذلك لا تخلو دولة منه بنسبة مئة في المئة.. وبالتالي السعي لمكافحته والتقليل منه سوف يستمر ما دام في الدنيا تجمع بشري.. وكلما كانت المجتمعات والدولة متحضرة ثقافيًا ومتقدمة اقتصاديًا، كلما قلت نسبة الفساد.. العكس كذلك هو صحيح.. فالبلدان والمجتمعات المتخلفة والفقيرة يعشعش فيها الفساد.. فالدول الأفريقية قاطبة تئن من وطأة الفساد.. ولكن وبطبيعة الحال بدرجات متفاوتة.

(2)
في دولة بوركينا فاسو (أرض الرجال الشجعان) ظهر حاكم في النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي يسمى توما سنكارا.. وهو ضابط في الجيش برتبة مقدم، وصل للحكم بانقلاب عسكري.. وهو الذي غير اسمها من فولتا العليا إلى الاسم الحالي..

رغم أن هذا الشاب ظهر في فترة الحرب الباردة، حيث الصراع الأيديولوجي على أشده.. لم يدّعِ أي توجه أيديولوجي.. إنما رفع شعار نظافة اليد وطبقه على نفسه بشدة.. فلم يرحل من بيته ويسكن قصرًا رئاسيًا.. ولم يتخلَّ عن ركوب الدراجة الذي كان سائدًا بين الموظفين والعمال هناك.. لا يتحرك في موكب ولا تسبقه سيارات التشريفات.. زوجته تتسوق مثلها مثل زوجة أي مواطن عادي.. والداه ظلا في منزلهما الذي وُلد فيه.. يتمرن كرة القدم مع فريق الحي.. لا يجامل في تطبيق القانون.. كل الناس سواسية أمام القانون..

رغم أنه كان دائم القول إنه لا يصنف نفسه يمينًا أو يسارًا.. وأنه فقط يعرف أن هناك إنسانًا ملوثًا وهناك إنسانًا نظيفًا.. وهو يرى أن مشكلة بلاده وكل أفريقيا في عدم وجود الحاكم النظيف القدوة.. رغم قوله هذا تم تصنيفه على أنه يساري.. واحتفى به كل يسار غرب أفريقيا.. تغنى باسمه كل الفرانكفونيين الموجودين في فرنسا.. مجلة جون أفريك المحسوبة على اليسار، والتي تصدر من باريس وتوزع في العالم، جعلته محور اهتمامها..

كاد الفساد أن يتلاشى في بوركينا.. اختفت كل مظاهره.. لجأ كبار الفسدة والمفسدين إلى دول الجوار..

قادت فرنسا العداء له.. لأنه هدد مصالحها.. وحركت ضده كل أتباعها في غرب أفريقيا، خاصة حاكم ساحل العاج (كوت ديفوار) هوفيت بوانجي، الذي حكم بلاده عدة عقود.. تمت الإطاحة به من داخل البيت.. إذ قام يده اليمنى ومساعده وصديق عمره.. بليز كومباوري.. باغتياله وهو بملابس الرياضة عائدًا من التمرين.. وحكم بعده بوركينا فاسو لأكثر من أربعين سنة.. ولكن لم يستطع أن يمحو ذكراه ولا ذكر مدرسته في الحكم القائمة على القدوة.

(3)
نحن في السودان ظلت دولتنا منذ استقلالها وإلى يوم الناس هذا كل عام ترزل بالفساد المؤسسي والفردي.. تداوينا بكل التوجهات.. العلمانية والدينية.. الرأسمالية والاشتراكية.. جربنا كل القوانين التي تجرم الانحرافات.. عملنا كل المؤسسات الإضافية، ولعل آخرها هيئة الشفافية، وأُسندت لضابط كبير صاحب تجربة، فلم نسمع له حتى اليوم حسًا ولا ركز.. كل هذا والعقرب في نتحيها..

فما بالكم لو جربنا مدرسة القدوة.. وذلك بأن تعلن الحكومة سياسة تقشف.. ويبدأ حكامها وكبار التنفيذيين فيها بالتنازل عن الامتيازات الوظيفية.. ويعلنوا طهارة اليد.. بعبارة أخرى تتخذ الحكومة كجهة اعتبارية سياسة تقشفية، وكذلك الأفراد الحاكمين.. وكبار المسؤولين في الخدمة العامة بشقيها المدني والعسكري.. الكل يعلن التقشف مع التطبيق.. أي يقرن القول بالعمل..

ونترك كل القوانين السارية في محلها.. والهيئات والمؤسسات في محلها.. وعابدين الطاهر في محله.. أتنبأ بأن تكون النتيجة مذهلة.. سوف ينكمش الفساد إلى أقصى درجة..

وأخيرًا عزيزي القارئ، لو قلت إن ما ذكرناه أعلاه كلام طير في الباقير.. نقول لك.. كلامك صاح.. لكن الأرضة جربت الحجر..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى