خليل فتحي خليل… يبحث عن نبض الناس.. في كوستي.. حين تصبح الكهرباء سؤالاً يومياً بلا إجابة

في مدينة كوستي، لم تعد قضية الكهرباء مجرد خدمة من الخدمات التي ينتظرها المواطن في حياته اليومية، بل أصبحت واحدة من أكثر القضايا حضوراً في تفاصيل يومه، وواحدة من أكثر الأسئلة التي تتكرر على ألسنة الناس: متى تأتي الكهرباء؟ ومتى تنقطع؟ وهل ما يحدث عطل أم ترشيد؟.
أسئلة بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل وراءها معاناة حقيقية، لأن الكهرباء اليوم ليست رفاهية يمكن الاستغناء عنها بسهولة، بل هي شريان أساسي ترتبط به المياه، والمستشفيات، والأسواق، والمحال التجارية، والاتصالات، والمخابز، وورش الإنتاج، ومنازل المواطنين.
في كوستي، يبدو المشهد أكثر إرباكاً عندما تتكرر القطوعات والتذبذب وعدم الاستقرار، حتى أصبح المواطن في بعض الأحيان عاجزاً عن التمييز بين ساعات الترشيد المعلنة وبين الأعطال الطارئة.
وهنا تحديداً تبدأ المشكلة الأكبر.
فالمواطن يستطيع أن يتعامل مع الترشيد إذا كان يعرف مواعيده، ويستطيع أن يرتب شؤونه وأعماله وفق جدول واضح. لكنه يجد نفسه في حالة من الارتباك عندما تنقطع الكهرباء دون معرفة السبب أو المدة، ثم تعود لفترة قصيرة قبل أن تنقطع من جديد.
الكهرباء تأتي… ثم تذهب، ثم تعود، ثم تغيب!
وهكذا يتحول يوم المواطن إلى انتظار دائم.
الكهرباء ليست مجرد لمبة تضيء
قد يرى البعض أن انقطاع الكهرباء يعني فقط أن المصباح انطفأ، لكن الحقيقة أن آثار القطوعات أوسع بكثير.
هناك طالب يريد أن يذاكر، وموظف يحتاج إلى إنجاز عمله، وتاجر يعتمد على الثلاجات والمبردات، وصاحب ورشة توقفت أدواته، وأسرة تحتاج إلى المياه، ومريض يحتاج إلى جهاز كهربائي، ومستشفى لا يحتمل اضطراب التيار، ومواطن يستخدم الهاتف والإنترنت لإنجاز عمل أو التواصل مع أسرته.
وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الناس، فإن تذبذب التيار الكهربائي لا يعني فقط غياب الإنارة، وإنما قد يعني خسارة مالية مباشرة.
أجهزة كهربائية قد تتعرض للأعطال نتيجة التذبذب، وبضائع تحتاج إلى التبريد قد تتعرض للتلف، وأعمال تتوقف، وإنتاج يتراجع، ومواطن يدفع ثمناً إضافياً لتوفير بدائل للطاقة.
كل ذلك يجعل الكهرباء قضية اقتصادية واجتماعية ومعيشية، وليست قضية فنية تخص قطاع الكهرباء وحده.
المواطن يريد أن يعرف الحقيقة
لا يطلب المواطن المستحيل.
هو يريد فقط أن يعرف: ماذا يحدث؟.
إذا كان هناك ترشيد، فليُعلن جدول الترشيد بصورة واضحة، وإذا كان هناك عطل، فليُوضح العطل ومدى تأثيره والزمن المتوقع لمعالجته، وإذا كانت هناك صيانة أو أعمال طارئة، فليكن المواطن على علم بها.
المعلومة في مثل هذه الظروف ليست ترفاً إعلامياً، وإنما جزء من الخدمة.
عندما يعرف المواطن أن الكهرباء ستنقطع من الساعة كذا إلى الساعة كذا، يستطيع أن يملأ خزانات المياه، ويشحن هاتفه، ويرتب عمله، ويحفظ احتياجاته الغذائية، ويضبط أجهزة منزله.
أما أن يستيقظ صباحاً ولا يعرف هل الكهرباء ستستمر أم ستنقطع، ثم تعود لفترة قصيرة وتختفي مرة أخرى، فإن ذلك يضع المواطن في حالة من القلق والإرباك المستمر.
كوستي مدينة تستحق استقراراً أفضل
كوستي ليست مدينة هامشية في السودان.
هي مدينة حيوية، ذات حركة تجارية واسعة، وموقع اقتصادي مهم، وتضم أعداداً كبيرة من المواطنين والمؤسسات والأسواق والمرافق الصحية والتعليمية والخدمية.
ولهذا فإن استقرار الكهرباء فيها ينعكس بصورة مباشرة على الحياة العامة.
المطلوب ليس تجاهل الظروف التي تمر بها البلاد، ولا إنكار حجم التحديات التي خلفتها الحرب والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية وقطاعات الخدمات.
لكن الاعتراف بهذه التحديات يجب ألا يمنع من طرح الأسئلة المشروعة والبحث عن الحلول الممكنة.
فالمواطن الذي يعاني من القطوعات لا يبحث عن خصومة مع أحد، وإنما يبحث عن خدمة مستقرة، وعن معلومة واضحة، وعن جهة يستطيع أن يسألها عندما تنقطع الكهرباء.
أين المشكلة؟
السؤال الذي يطرحه الناس اليوم ليس فقط: لماذا قطعت الكهرباء؟
بل هناك أسئلة أعمق:
هل المشكلة في التوليد؟
هل هي في الشبكات؟
هل هناك أعطال متكررة في المحولات؟
هل تحتاج بعض المناطق إلى صيانة عاجلة؟
هل توجد برمجة للترشيد؟
هل هناك فرق بين القطوعات المبرمجة والأعطال الطارئة؟
وهل توجد خطة لمعالجة جذور المشكلة بدلاً من التعامل معها كل مرة بصورة مؤقتة؟.
هذه الأسئلة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها انتقاداً لمجرد الانتقاد، بل هي أسئلة مواطن يريد أن يفهم ما يحدث حوله.
نريد شفافية في جدول الكهرباء
من حق المواطن في كوستي أن يعرف برنامج الإمداد الكهربائي قدر الإمكان.
وإذا تعذر الالتزام بجدول ثابت بسبب الأعطال أو الظروف الفنية، فمن المهم أن تكون هناك منصة أو وسيلة إعلامية واضحة لإبلاغ المواطنين بالتغييرات.
يمكن أن تكون عبر الإذاعة، أو الصفحات الرسمية، أو رسائل دورية، أو مجموعات إعلامية معتمدة.
المهم أن تصل المعلومة إلى المواطن.
ففي زمن أصبحت فيه الهواتف المحمولة وسيلة التواصل الأولى، لم يعد من الصعب إيصال التنبيه للمواطنين قبل القطوعات أو عند حدوث الأعطال الكبيرة.
الكهرباء والمياه.. حكاية أخرى
من أكثر ما يجعل أزمة الكهرباء مؤثرة في حياة الناس ارتباطها بالمياه.
فعندما تنقطع الكهرباء لفترات طويلة، تتأثر عملية ضخ المياه في بعض المناطق، ويجد المواطن نفسه أمام مشكلتين في وقت واحد: لا كهرباء ولا ماء.
وهنا تتضاعف المعاناة.
فالأسرة التي تحتاج إلى الماء للشرب والطهي والنظافة لا تستطيع الانتظار طويلاً، خصوصاً في الأجواء الحارة.
لذلك فإن استقرار الكهرباء يعني بصورة غير مباشرة دعم استقرار خدمات أخرى مرتبطة بها.
أصحاب الأعمال يدفعون الثمن
في الأسواق والمحلات التجارية، كل ساعة انقطاع قد تكون لها فاتورة.
هناك محال تعتمد على التبريد، وأخرى تعتمد على المعدات الكهربائية، وورش تحتاج إلى الكهرباء لتشغيل معداتها، ومكاتب تعتمد على أجهزة الحاسوب والطباعة والاتصالات.
ومع ارتفاع تكلفة الوقود والصيانة، فإن اللجوء المستمر إلى المولدات ليس حلاً سهلاً للجميع.
ليس كل مواطن أو صاحب عمل قادراً على شراء مولد وتشغيله لساعات طويلة.
ولهذا فإن استقرار التيار الكهربائي يمثل دعماً مباشراً للاقتصاد المحلي.
لا نريد وعوداً كثيرة.. نريد خطوات واضحة
المواطن اليوم يحتاج إلى أن يرى خطوات عملية.
إذا كانت هناك مشكلة في محطة أو محول أو خط ناقل، فليُعلن عنها.
إذا كانت هناك خطة للصيانة، فليُعرف نطاقها.
إذا كانت هناك حاجة إلى دعم أو قطع غيار أو تدخل فني، فليكن هناك حديث واضح عن ذلك.
وإذا كانت هناك حلول مؤقتة، فليتم توضيحها أيضاً.
المهم أن يشعر المواطن أن هناك من يتابع المشكلة، ومن يشرحها، ومن يعمل على حلها.
رسالة إلى الجهات المسؤولة
رسالتي هنا ليست رسالة غضب، وإنما رسالة مواطن وإعلامي يبحث عن نبض الناس.
نعلم أن الظروف صعبة، ونعلم أن الحرب أثرت في كل شيء، ونعلم أن قطاع الكهرباء يواجه تحديات كبيرة.
لكن المواطن أيضاً جزء من هذه المعادلة، ومن حقه أن يجد من يستمع إليه.
كوستي تحتاج إلى كهرباء أكثر استقراراً، وتحتاج قبل ذلك إلى معلومة أكثر وضوحاً.
فإذا كان هناك ترشيد، أخبروا الناس.
وإذا كان هناك عطل، أخبروهم.
وإذا كانت هناك صيانة، أخبروهم.
وإذا كانت هناك مشكلة أكبر من ذلك، فالمواطن يستحق أن يعرفها كما هي، لأن الوضوح يخفف كثيراً من حالة التوتر التي تصنعها المفاجآت.
في النهاية…
الكهرباء ليست مجرد تيار يمر في الأسلاك.
إنها ضوء في منزل، وماء يصل إلى أسرة، ودواء يحفظ في درجة حرارة مناسبة، وطالب يقرأ كتابه، وعامل يدير آلته، وتاجر يحافظ على بضاعته، وطبيب يؤدي واجبه، ومؤسسة تواصل عملها.
ولهذا فإن استقرار الكهرباء هو استقرار لجانب كبير من تفاصيل الحياة نفسها.
وفي كوستي، أصبح السؤال يتكرر كثيراً:
هل نحن أمام ترشيد أم أعطال؟
والإجابة الواضحة عن هذا السؤال ربما تكون بداية الطريق لاستعادة ثقة المواطن.
نحن لا نبحث عن شماعة، ولا نبحث عن إدانة أحد.
نحن فقط نبحث عن الحقيقة والحل.
ومن هنا، أرفع صوت المواطن الكوستي كما هو، بلا مبالغة ولا تجميل:
نريد أن نعرف متى تنقطع الكهرباء، ولماذا تنقطع، ومتى تعود… والأهم: متى يصبح الاستقرار هو القاعدة، وليس الاستثناء؟

