خليل فتحي خليل يبحث عن نبض الناس.. يا إدارة بنك السودان… التطبيقات البنكية حرب أخرى على المواطن السوداني المغلوب على أمره

هناك مواطن سوداني خرج من بيته يحمل هاتفه، وفي داخله أمل صغير بأن يُنجز معاملة مصرفية خلال دقائق، فإذا به يدخل في رحلة طويلة من الانتظار والمحاولات الفاشلة والرسائل الغامضة وتعليق العمليات.
يا إدارة بنك السودان المركزي، ماذا يحدث في عالم التطبيقات البنكية؟
المواطن السوداني يعيش تحت ضغط اقتصادي هائل، يبحث عن أبسط حقوقه في الحصول على خدمة مصرفية مستقرة وآمنة وسريعة، بينما تتحول التطبيقات البنكية عند كثير من الناس إلى مصدر جديد للقلق والصداع.
تطبيق يفتح بعد محاولات.
وتطبيق يتوقف وقت الحاجة.
وتحويل مالي يظل معلقًا.
ومبلغ يُخصم من الحساب ثم يبدأ المواطن رحلة البحث عنه.
ورسالة خطأ تظهر دون تفسير.
ومركز خدمة عملاء قد يرد بعد انتظار طويل، وقد يجد المواطن نفسه يكرر المشكلة ذاتها عشرات المرات.
يا سادة… أموال الناس ليست حقلًا للتجارب!.
المواطن عندما يحول ماله، فهو يحول قوت أسرته، أو قيمة دواء، أو إيجار منزل، أو مصروف طالب، أو ثمن سلعة، أو أجرة مواصلات.
وراء كل رقم يظهر على شاشة الهاتف قصة إنسان.
وراء كل تحويل أسرة تنتظر.
وراء كل جنيه مدخرات شخص أنهكته ظروف الحياة.
فكيف يُطلب من المواطن أن يثق في نظام مصرفي رقمي بينما التجربة اليومية تقول له: جرّب مرة أخرى؟.
المواطن دفع ثمن التحول الرقمي
الناس تركوا التعامل النقدي تدريجيًا، واشتروا الهواتف، ودفعوا تكلفة الإنترنت، وتحملوا رسوم المعاملات، وتعلموا استخدام التطبيقات، ووضعوا ثقتهم في النظام المصرفي.
المقابل المطلوب بسيط جدًا:
خدمة تعمل عندما يحتاجها المواطن.
هذه هي المعادلة.
المواطن لا يريد محاضرة عن التحول الرقمي.
ولا يريد شعارات براقة عن الخدمات الإلكترونية.
يريد أن يرسل ماله فيصل.
يريد أن يدفع فاتورته فتُسدد.
يريد أن يسحب أمواله دون أن يعيش ساعات من القلق.
يريد أن يعرف أين ذهب ماله عندما تفشل العملية.
ويريد جهة واضحة يتحمل معها أحد مسؤولية الخلل.
المشكلة أكبر من تطبيق يتعطل
عندما تتكرر الأعطال، تصبح المسألة قضية ثقة.
وحين يتعامل المواطن مع أكثر من تطبيق وأكثر من بنك، ثم يواجه المشكلات ذاتها، يصبح السؤال مشروعًا:
من يراقب جودة هذه الخدمات؟ ومن يحاسب؟.
البنوك مؤسسات مالية، وأموال المواطنين أمانة ومسؤولية.
والتطبيق البنكي في زمن الحرب والظروف الاقتصادية القاسية أصبح جزءًا من الحياة اليومية، وأصبح عصبًا لتحويل الأموال بين المدن والمناطق والأسر.
لذلك فإن أي خلل متكرر ينعكس مباشرة على حياة الناس.
المواطن في كوستي يريد إرسال مال إلى الخرطوم.
والمواطن في ربك يريد استلام تحويل من أحد أفراد أسرته.
وشخص في الدويم يريد شراء احتياجات أسرته.
وطالب يحتاج مصروفه.
ومريض يحتاج قيمة العلاج.
كل هؤلاء يعتمدون على الخدمة المصرفية الرقمية.
فهل يعقل أن يتحول الطريق إلى أموالهم إلى متاهة إلكترونية؟
أين الشفافية؟
عندما تحدث مشكلة واسعة في خدمة مصرفية، يحتاج المواطن إلى معلومة واضحة:
ما سبب العطل؟
كم يستغرق الإصلاح؟
هل الأموال آمنة؟
متى تعود الخدمة؟.
كيف يسترد العميل أمواله إذا تم الخصم دون اكتمال العملية؟
هذه أسئلة بسيطة، لكنها بالنسبة للمواطن تساوي الكثير.
الصمت أمام الأعطال يزيد الغضب.
والغموض يفتح باب الشائعات.
والردود العامة لا تطمئن شخصًا يرى رصيده يتغير أمام عينيه ولا يستطيع الوصول إلى ماله.
بنك السودان مطالب بأن يسمع صوت الشارع
يا إدارة بنك السودان المركزي…
المواطن السوداني تحمل الحرب.
تحمل الغلاء.
تحمل شح السيولة.
تحمل انقطاع الكهرباء.
تحمل ضعف الاتصالات.
تحمل صعوبة التنقل.
تحمل قوائم الانتظار.
تحمل أزمات لا حصر لها.
فلا تجعلوا التطبيق البنكي أزمة إضافية فوق رأسه.
نحن نحتاج إلى رقابة مصرفية صارمة على التطبيقات، ومعايير واضحة لجودة الخدمة، وآلية موحدة وسريعة لمعالجة العمليات المعلقة، وقنوات فعالة لشكاوى العملاء، وتقارير شفافة عن الأعطال وأسبابها وطرق معالجتها.
المواطن يريد مؤسسة تقف إلى جانبه عندما يتعطل النظام.
يريد أن يشعر بأن هناك جهة تراقب وتحمي وتتابع.
التكنولوجيا يجب أن تخدم المواطن
التحول الرقمي جاء لتسهيل الحياة.
جاء لتقليل الصفوف.
جاء لتوفير الوقت.
جاء لتقليل المخاطر.
جاء ليمنح المواطن قدرة أكبر على الوصول إلى ماله.
أما عندما تتحول التكنولوجيا إلى باب جديد للمعاناة، فهنا يجب أن نتوقف ونسأل:
أين الخلل؟
فالرقمنة بلا كفاءة تتحول إلى عبء.
والتطبيق بلا استقرار يتحول إلى مصدر خوف.
والخدمة المصرفية بلا استجابة سريعة تضعف الثقة.
كلمة أخيرة
يا إدارة بنك السودان المركزي…
أموال المواطن خط أحمر.
وثقة المواطن في الجهاز المصرفي رأس مال لا يجوز العبث به.
نحن لا نطالب بالمستحيل.
نطالب بتطبيق يعمل.
وتحويل يصل.
وشكوى تجد أذنًا صاغية.
ومشكلة تُحل في وقت معقول.
ومعلومة تصل إلى صاحب المال بوضوح.
المواطن السوداني يحتاج إلى من يخفف عنه أثقال الحياة، لا إلى نظام جديد يضيف إلى يومه معركة أخرى.
كفاية المواطن ما يلقاه في الأسواق والمواصلات والكهرباء والاتصالات…
فلا تجعلوا هاتفه البنكي ساحة جديدة للمعاناة.
التطبيق البنكي يجب أن يكون جسرًا يصل المواطن بماله، لا جدارًا يحول بينه وبين حقوقه.

