خليل فتحي خليل يكتب في سمع وشوف: خارج حدود السودان.. الفنان سيد عوض مدرسة فنية متفردة
تم تكريمه من كبرى المؤسسات والشركات العالمية

في هذا الزمن الذي تزدحم فيه الأصوات وتتراجع فيه قيمة الإبداع الحقيقي، يبقى هناك فنانون يشبهون الذهب الخالص، كلما مرّ عليهم الزمن ازدادت قيمتهم وتألقهم. ومن بين هؤلاء العمالقة الذين حملوا الفن السوداني في وجدانهم قبل أصواتهم، يبرز اسم الفنان سيد عوض، ذلك الفنان الذي استطاع أن يصنع لنفسه مكانة خاصة في قلوب الناس، ليس فقط بصوته الدافئ وأدائه المتفرد، بل بأخلاقه العالية وإنسانيته الراقية وتواضعه الذي يشبه الكبار.
سيد عوض ليس مجرد مطرب يؤدي الأغنيات، بل هو مدرسة فنية متكاملة، وواحد من نجوم مؤسسة نادي الخرطوم جنوب واتحاد المهن الموسيقية بأمدرمان، تلك المؤسسات التي أنجبت عمالقة الفن السوداني الحقيقي. فمنذ بداياته، كان واضحاً أن هذا الفنان يمتلك مشروعاً فنياً مختلفاً، يعتمد على الإحساس العميق والقدرة المدهشة على تطويع الصوت والموسيقى لخدمة الكلمة والمعنى.
وحين تستمع إلى سيد عوض وهو يغني، تشعر وكأنك أمام حالة فنية نادرة، يمتلك قدرة استثنائية على التنقل بين المقامات الموسيقية بسلاسة مدهشة، ويمنح الأغنية روحاً جديدة تجعل المستمع يعيش داخل النص بكل تفاصيله. أما حين يمسك بآلة العود، فإن الأوتار تتحول بين يديه إلى لغة عشق وحكايات وحنين، وكأن العود نفسه يعرف أنه بين يدي فنان من طراز خاص.
ولأن الإبداع الحقيقي لا تحده الجغرافيا، فقد استطاع سيد عوض أن يلفت أنظار عدد من الشركات والبيوتات الكبرى والعالمية خارج حدود الوطن، التي سارعت إلى تكريمه والاحتفاء بتجربته الفنية الثرية، تقديراً لما قدمه للفن السوداني من أعمال راقية حافظت على أصالة الأغنية السودانية وقدمتها بصورة مشرقة أمام العالم. ذلك التكريم لم يأتِ من فراغ، بل جاء نتيجة سنوات طويلة من الاجتهاد والتعب والإخلاص للفن
وعلى المستوى الشخصي، جمعتني بالفنان سيد عوض تجارب فنية وإنسانية جميلة، عبر قروب عملنا فيه سوياً على عدد من الأعمال الغنائية والإذاعية. وقد كان من حسن حظي أن يلحن لي العديد من الأغنيات من كلماتي، كما قام بتلحين عدد من شعارات المسلسلات الإذاعية التي قمت بإنتاجها لعدد من الإذاعات.
وكنت في كل مرة أكتشف عبقرية جديدة لهذا الفنان، فهو لا يكتفي بالتلحين التقليدي، بل يبحث داخل النص عن الروح الخفية، ثم يصنع لحناً يشبه المعنى تماماً، وكأنه يترجم الإحساس إلى موسيقى.
وسيد عوض من الفنانين الذين يحترمون الكلمة ويقدسون الفن، لذلك تأتي أعماله دائماً مليئة بالجمال والصدق. وهو أيضاً من الأصوات التي تمتلك شخصية مستقلة، فلا يشبه أحداً ولا يحاول تقليد أحد، ولذلك ظل محافظاً على مكانته واحترامه وسط زملائه والجمهور.
ورغم الغربة التي أبعدته عن الوطن، إلا أن السودان ظل يسكن داخله في صوته وألحانه ووجدانه. فالفنان الحقيقي لا تغادره أرضه مهما ابتعد، بل يحملها معه أينما ذهب. ولذلك ظل سيد عوض سفيراً للفن السوداني في المنافي، يقدم الصورة المشرقة للفنان السوداني المبدع والمثقف والمحترم.
إن الحديث عن سيد عوض يحتاج إلى صفحات طويلة، لأننا نتحدث عن قامة فنية وإنسانية كبيرة، وعن فنان ظل وفياً للفن الجميل في زمن أصبحت فيه الضوضاء أعلى من الإبداع.
نقول للفنان سيد عوض:
لقد أبدعت فأحبك الناس، واحترمك الوسط الفني، واحتفت بك المؤسسات الكبرى داخل وخارج الوطن، لأنك ببساطة فنان حقيقي يعرف قيمة الفن ويحترم جمهوره.
نسأل الله أن يحفظك أينما كنت، وأن يرد غربتك، ويعيدك إلى السودان سالماً غانماً، لتواصل عطائك بين أهلك ومحبيك، ولتظل أوتار عودك تغني للوطن والجمال والمحبة.

