خواطر اليقظة.. بروفيسور عصام عبد الوهاب بوب يكتب: العودة إلى خرابٍ لا وطن: أوهام العودة الطوعية للنازحين السودانيين

بارقة أمل في بحر من الدمار
في مشهد يبدو متناقضاً مع واقع الحرب المستعرة، يشهد السودان اليوم موجة عودة واسعة للنازحين واللاجئين إلى مناطقهم الأصلية. ففي أبريل/نيسان 2026، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة أن ما يقرب من 4.1 ملايين شخص عادوا طواعية إلى بيوتهم في مختلف أنحاء السودان. وقد وصفت المنظمة هذه العودة بأنها “بارقة أمل” في خضم واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم. غير أن هذه “البارقة” تخفي خلفها واقعاً مأساوياً يطرح تساؤلات عميقة حول مدى “طوعية” هذه العودة، وحول مصير هؤلاء العائدين الذين يواجهون مدناً مدمرة وخدمات منهارة ومستقبلاً مجهولاً.
فهل هي حقاً عودة طوعية، أم أنها هروب من جحيم إلى جحيم آخر؟ وهل يعود هؤلاء الناس إلى وطنهم، أم إلى خرابٍ لا يقل فظاعة عن النزوح نفسه؟
“طوعية” تحت المجهر – بين الإكراه واليأس
1. الطوعية في مواجهة القانون الدولي
تشدد المنظمة الدولية للهجرة على أن العودة، لكي تتوافق مع القانون الدولي، يجب أن تكون طوعية وكريمة. غير أن واقع الحال يكشف عن فجوة هائلة بين هذا المبدأ النظري وتجارب الملايين من العائدين. فمصطلح “الطوعية” يصبح غامضاً، بل مضللاً، عندما ننظر إلى الظروف التي تدفع الناس إلى اتخاذ قرار العودة.
2. دوافع العودة: بين الأمن واليأس
تشير المنظمة الدولية للهجرة ذاتها إلى أن دوافع العودة متعددة ومتداخلة. فـ”يعود الكثيرون لاعتقادهم بأن الوضع الأمني قد تحسن. بينما يعود آخرون لأن الحياة في ظل النزوح أصبحت لا تُطاق، أو بسبب الضغوط الاقتصادية، وكذلك للم شملهم مع عائلاتهم، أو لأن الظروف المعيشية في البلدان المجاورة تزداد قسوة”.
هذا الاعتراف الرسمي يكشف أن العودة ليست بالضرورة اختياراً حراً، بل غالباً ما تكون خياراً بين عدة مآسٍ. فالنازحون داخل السودان يواجهون أوضاعاً معيشية متدهورة، وانخفاضاً في المساعدات الإنسانية، وضغوطاً متزايدة في مناطق النزوح. أما اللاجئون في الخارج، وخاصة في مصر، فيواجهون حملات احتجاز وترحيل متصاعدة، وبيئة معادية تجعل البقاء هناك مستحيلاً.
3. التوظيف السياسي للعودة
لا يمكن فصل ظاهرة العودة عن سياقها السياسي. فمشروع العودة الطوعية بدأ في أبريل/نيسان 2025 برعاية رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وبإشراف منظومة الصناعات الدفاعية السودانية. هذا التدخل الحكومي المباشر يحوّل العودة من قضية إنسانية إلى أداة سياسية تهدف إلى إسقاط صورة عن الاستقرار وعودة الحياة الطبيعية، وتعزيز سيطرة الحكومة على المناطق المستعادة حديثاً.
والأكثر إثارة للقلق هو الإعلان عن خطة خمسية (2026-2030) تهدف إلى توفير سبل العيش من خلال دعم أكثر من ثلاثة ملايين مشروع صغير. فكيف يمكن الحديث عن خطط تنموية طويلة الأمد في بلد لا تزال فيه الحرب مشتعلة، وتنهار فيه الخدمات الأساسية؟
هل يستطيع السودان أن ينهض من تحت هذا الركام؟ أم أن هذه العودة ستكون مجرد محطة أخرى في رحلة النزوح الطويلة؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة، لكن المؤشرات الحالية لا تبشر بخير.

