مقالات

دولة القانون.. د. عبد العظيم حسن المحامي يكتب: الرافضون للحوار (2)

إذا كان موقف مجموعة النظام البائد من الحوار مفهوماً في ضوء خشيتها من أن يؤدي الحوار إلى خلخلة قبضتهم على مفاصل الدولة ومراجعة ما تعتبره مكتسبات سياسية، فإن موقف «صمود» أو ما يعرف بتحالف المبادئ يحتاج إلى قراءة أكثر دقة؛ ذلك أن المشكلة، كما تبدو من مواقفها المعلنة، ليست في مبدأ الحوار ذاته، وإنما في من يبدأه، وأين يبدأ، وما الذي ينبغي أن ينتهي إليه. فقد أعلنت «صمود» رفضها للمساعي الرامية إلى حوار سياسي داخل السودان، واعتبرت قيادات فيها أن مثل هذا الحوار قد يعني شرعنة السلطة القائمة، بينما تؤكد في الوقت ذاته أن الحل السياسي ينبغي أن يقود إلى وقف الحرب. وهنا يبرز السؤال: هل المطلوب حوار سوداني لإنقاذ الدولة، أم حوار تكون شروطه وترتيباته ومخرجاته محددة سلفاً بحيث يقود إلى نتيجة سياسية بعينها؟.

وتزداد أهمية هذا السؤال عند استحضار الخلفية التي أوجدت تحالف «صمود». فقد انقسم تحالف «تقدم» في فبراير 2025 على خلفية الخلاف حول الوسائل وضرورة تشكيل حكومة موازية في مناطق سيطرة الدعم السريع؛ فذهب أحد المسارين إلى «تأسيس»، بينما تشكل «صمود» من القوى الرافضة لتلك الخطوة. لكن رفض الحكومة الموازية لا يحسم وحده السؤال الأهم: ما موقع الدعم السريع في تصور «صمود» للدولة السودانية؟ فالمطلوب في أي حوار جاد أن يكون واضحاً أن الدولة لها مؤسساتها الدستورية والعسكرية والمدنية، وأن أي قوة مسلحة خارج المؤسسة العسكرية النظامية لا يمكن أن تصبح طرفاً مساوياً للدولة أو بديلاً عن مؤسساتها. ومن ثم فإن الحوار الذي يبدأ من الخرطوم لا يعني بالضرورة منح الشرعية السياسية لأي طرف، كما أن الاعتراف بمركزية الدولة ومؤسساتها لا يعني تأييد كل سياساتها أو إعفاءها من النقد والمساءلة. بل إن الخلط بين الدولة والحكومة القائمة هو أحد أخطر أسباب تعثر الحوار؛ فالحوار المطلوب ليس حواراً مع سلطة بعينها، وإنما حوار حول مستقبل الدولة السودانية ومن يحكمها وكيف تُحكم.

وهنا يلتقي سلوك «صمود» ــ وإن اختلفت دوافعه وشعاراته ــ مع سلوك الرافضين الآخرين للحوار في نقطة جوهرية: أن يصبح الحوار وسيلة للوصول إلى نتيجة سياسية محددة، لا وسيلة للوصول إلى توافق وطني مفتوح النتائج. فمجموعة النظام البائد قد تخشى حواراً يفضي إلى تحجيم نفوذها وإقصاء مشروعها السياسي، بينما قد تخشى «صمود» حواراً يبدأ من مؤسسات الدولة القائمة وينتهي إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي على نحو لا يضمن لها الموقع الذي كانت تتمتع به قبل الحرب. وبين الموقفين تضيع الفكرة الأصلية للحوار: أن يجلس السودانيون، لا ليحسم أحدهم النتيجة مسبقاً، وإنما ليبحثوا معاً عن صيغة تنهي الحرب، وتحفظ وحدة الدولة، وتعيد بناء مؤسساتها، وتفتح الطريق أمام انتقال لا تملكه مجموعة سياسية ولا قوة مسلحة ولا طرف واحد. فالحوار الذي يشترط نتيجته قبل أن يبدأ ليس حواراً، وإنما تفاوض على كيفية الوصول إلى النتيجة التي تم تحديدها سلفاً.

الخرطوم 26 سبتمبر 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى