مقالات

دولة القانون.. د. عبد العظيم حسن المحامي يكتب: رهان الاستسلام

أسقطت الثورة الشعبية نظام الثلاثين من يونيو، ولن يستطيع أنصاره العودة إلى حكم السودان مهما حاولوا الالتفاف أو اختلاق الذرائع؛ فهم يتحملون الوزر الأعظم في فشل دولة احتكروا حكمها ثلاثين عاماً متصلة. ومع ذلك، ومهما تعددت أسباب الحرب الراهنة، فإن توحيد السودانيين لتجاوزها يظل الحل الأوحد، دون منح أي جهة أسهمت في إفشال الدولة فرصة للعودة إلى السلطة قبل أن تخضع للمساءلة وتتحمل مسؤولية ما ارتكبته في حق الشعب.

وبعبارة مباشرة، فإن رفض استعادة الماضي لا ينبغي أن يقود إلى الاستكانة والاستسلام، كما أن مقاومة الحاضر لا يجوز أن تتحول إلى جسر لإعادة إنتاج ذات الماضي.

ومن المعلوم أن الاستسلام لا يقتصر على إلقاء السلاح، بل قد يتخذ صوراً أخرى، من بينها الرهان على مجرد إنهاك الخصوم وتوازن الضعف، أو اختزال الحرب في معركة لإقصاء القوات المسلحة ومحاسبتها أثناء المواجهة، طمعاً في تحقيق مكاسب سياسية تستبطن دعم التمرد الذي، لا أقول قادته، وإنما نفذته قوات الدعم السريع، بالمخالفة الصريحة للقانون الذي حدد وظيفتها بوصفها قوة مساندة للقوات المسلحة.

وإلى جانب ذلك، فإن صمت أو انخراط مجموعات مدنية في مشروعها السياسي، بدلاً من اتخاذ موقف واضح من التمرد وانتهاكاته، أسهم في تعميق الانقسام. وفي المقابل، خلّفت الحرب من قتل وانتهاك للأعراض ونهب للممتلكات وتدمير للمنشآت المدنية والحيوية ما يجعل القبول بعودة قوة متمردة إلى المشهد السياسي أمراً مرفوضاً شعبياً.

وعليه، فإن الرهان على الضغط الدولي أو الاقتصادي لحرمان السودانيين من حقهم في الدفاع عن أنفسهم، أو لإرغامهم على قبول تسوية تُبقي السلاح خارج أجهزة الدولة، مهما كان ضعفها، ليس طريقاً للسلام، وإنما استسلام للمليشيا وحلفائها. فالسلام الحقيقي لا يقوم على فرض تسويات تتجاهل طبيعة الشخصية السودانية وحقها في حماية الدولة، بل يقتضي إنهاء حالة التمرد، وتسليم قوات الدعم السريع وسائر الحركات المسلحة أسلحتها للدولة، وإخضاع الجميع للقانون، وضمان المساءلة وعدم الإفلات من العقاب. فالسودان لا يحتاج إلى تسوية تعيد تدوير أسباب فشله، وإنما إلى دولة دستورية ديمقراطية لا تكون فيها السلطة مكافأةً لمن أفسد، بل أمانة يحدد الشعب من يتولاها بإرادته الحرة.

الخرطوم 30 أكتوبر 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى