مقالات

الباقر عكاشة عثمان يكتب: تجارة الحدود بين الواقع والتطبيق (1-2)

لست اقتصادياً بالمعنى الأكاديمي، لكن بحكم عملي في أكبر قطاع استثماري لمدة خمسة وعشرين عاماً، ومشاركتي في الورش والمنتديات الاقتصادية وتجارة الحدود والتمويل الأصغر، أتاح لي ذلك متابعة القرارات والسياسات الاقتصادية وانعكاساتها على الإنتاج والأسواق. وقبل أن أتطرق إلى مشكلات الصناعة، دعوني أتوقف عند قضية تكشف كيف يمكن لقرار تجاري غير مدروس أن يؤثر في حركة الأموال والتجارة.

لقد ألغى الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة، قرارات وزارة التجارة المتعلقة بحظر بعض السلع الغذائية التي كانت تُستورد من مصر. وهذه الحزمة الاقتصادية ليست الأولى التي تُحظر ثم تُلغى لعدم جدواها، إذ لم تحقق الهدف الذي كان ينشده الوزراء السابقون.

تقوم هذه التجارة، في جانب منها، على تبادل المنافع بين مصدّري الجمال، الذين يقومون بدفع حاصل الصادر مقدماً بواقع ألف ومائة دولار للجمل الواحد، وتجار السلع الغذائية. إذ يمتلك مصدّرو الجمال أرصدة بالجنيه المصري يصعب عليهم تحويلها إلى الدولار أو إخراجها من مصر، فيلجؤون إلى تجار السلع الذين يستوردون بضائعهم من مصر، ويسددون لهم قيمة المبالغ المصرية بالجنيه السوداني داخل السودان.

وبهذه الآلية، كانت الأموال تتحرك عبر تجارة متبادلة تحقق منفعة للطرفين، وتتيح الاستفادة من الأرصدة المصرية الموجودة لدى مصدّري الجمال في استيراد السلع، بدلاً من البحث عن وسيلة لتحويلها، بمغامرة، إلى عملة أخرى، بما يخالف القوانين المصرية.
فمع حظر تلك السلع، تعطلت هذه الدورة التجارية، واضطر بعض تجار السلع إلى البحث عن بدائل لحفظ قيمة أموالهم، ومنها شراء الدولار والاحتفاظ به خارج الجهاز المصرفي، بدلاً من توجيه الأموال إلى نشاط تجاري قائم على تبادل السلع والمنافع.

وهنا يبرز السؤال: هل درست الجهات المعنية، قبل الحظر، الآثار غير المباشرة لقرارات الحظر على حركة التجارة وسوق العملات؟
فالمشكلة لا تتعلق بالسماح بالاستيراد أو منعه فحسب، بل بكيفية تنظيم التجارة الخارجية وتجارة الحدود، باعتبارها واقعاً وحالة خاصة، بما يحقق المصلحة الوطنية، ويحافظ على موارد البلاد، ويحد من اكتناز العملات الأجنبية بعيداً عن المصارف.

إن هذه الحالة تؤكد أن القرارات الاقتصادية تحتاج إلى دراسة متأنية لواقع السوق وشبكة المصالح المرتبطة به. فالمطلوب ليس فتح الاستيراد بلا ضوابط، ولا فرض الحظر دون بدائل، وإنما إيجاد آليات مصرفية وتجارية منظمة تستفيد من الأرصدة المتاحة، وتدعم الصادرات، وتحد من المضاربات، وتعزز الثقة في الجهاز المصرفي.
فالاقتصاد لا تحكمه القرارات وحدها، بل تحكمه أيضاً استجابة السوق لها، والقرار الناجح هو الذي يعالج المشكلة دون أن يخلق أزمة مع المنتج المحلي. فالتوازن والتفكير خارج الصندوق مطلوبان في هذه المرحلة الاستثنائية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى