مقالات

دولة القانون.. د. عبد العظيم حسن المحامي يكتب: أحمد هارون (1)

أثار الظهور الإعلامي لأحمد هارون، رئيس حزب المؤتمر الوطني المحلول، في حوار مطول عبر «السودان بودكاست»، انتشاراً واسعاً وتفاعلاً لافتاً على منصات التواصل الاجتماعي. وربما يعود جانب من ذلك إلى أن هارون هو آخر من اختاره المخلوع عمر البشير لقيادة الحزب، قبل أن تطيح ثورة ديسمبر بنظامه.

غير أن ما يستحق التوقف عنده ليس مجرد عودة أحد أبرز رموز النظام السابق إلى المنابر الإعلامية، وإنما ما كشفه الحوار من إصرار قيادات ذلك النظام على استفزاز مشاعر السودانيين، بالتقليل من شأن الثورة التي اقتلعت حكمهم، والتعامل معها وكأنها لم تكن سوى مؤامرة أو خطأ سياسي.

والمفارقة أن هؤلاء لا يكتفون بإنكار إخفاق تجربتهم، بل يذهبون إلى تحميل الثورة مسؤولية الحرب، وكأن نظام الثلاثين من يونيو، الذي حكم البلاد ثلاثين عاماً، كان نظاماً ملائكياً لم يترك وراءه أسباباً عميقة للانفجار الوطني.

ومن أكثر ما لفت انتباهي في الحوار تحاشي هارون، في أكثر من مناسبة، الإجابة المباشرة عن السؤال المتعلق بتفاصيل وكيفية سقوط نظام الإنقاذ. فالرجل، حاول بكل السبل، إلقاء المسؤولية على اللجنة الأمنية، وعلى وجه الخصوص الفريق صلاح قوش، دون أن يقدم رواية متماسكة تفسر كيف انتهى نظام ظل يتحدث عن التمكين والسيطرة على مفاصل الدولة إلى السقوط بتلك الصورة. بل ذهب إلى تبرير غياب المراجعات داخل حزبه بالإشارة إلى أن الحزب الشيوعي لم ينجز مراجعاته بشأن فشل انقلاب مايو وحركة هاشم العطا التصحيحية إلا في عام 2014، وكأن تأخر الآخرين في مراجعة تجاربهم يمنح حزبهم الحصانة من المساءلة.

إن المشكلة ليست في أن يراجع حزب تجربته أو أن يسعى أعضاؤه للعودة إلى العمل السياسي، فذلك شأن تحكمه قواعد القانون والديمقراطية والمساءلة، وإنما في أن يظل قادته عاجزين عن الاعتراف بمسؤوليتهم عن انهيار دولة حكموها بالحديد والنار لثلاثين عاماً، وأن يتعاملوا مع ثورة ديسمبر باعتبارها خصماً ينبغي الانتقام منه، لا حدثاً وطنياً يستوجب استخلاص الدروس. ولعل السؤال الذي يستحق أن نطرحه: لماذا ما زالت هذه القيادات تفكر بهذه الطريقة، وما علاقة ذلك باستغلال الحرب ذريعة مهما كانت أسبابها. في ذات الوقت السعي، بلا استحياء، للاستفادة من واقع الحرب لتبرير عودتهم؟ ذلك ما سنتناوله في المقالة القادمة بعون الله.

الخرطوم 7 نوفمبر 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى