أخبار محلية

عادت من المدرسة… لكن العاصفة سبقتها إلى القدر

رحيل التلميذة "مي" يهز النيل الأبيض ويُبكي القرى من أم هاني إلى التهيمة

عادت من المدرسة… لكن العاصفة سبقتها إلى القدر

رحيل التلميذة “مي” يهز النيل الأبيض ويُبكي القرى من أم هاني إلى التهيمة

كوستي: خليل فتحي خليل

خرجت التلميذة مي عبدالدائم الحسن من مدرستها تحمل حقيبتها الصغيرة وأحلامها البسيطة، وتسير في الطريق الذي اعتادته كل يوم عائدة إلى منزل أسرتها في منطقة أم هاني جنوب مدينة كوستي. لم تكن تعلم أن رحلة العودة هذه المرة لن تكتمل، وأن عاصفة هوجاء كانت تترصد خطاها الأخيرة.

في ذلك اليوم، هبت رياح عاتية وأعاصير ترابية عنيفة اجتاحت المنطقة بصورة مفاجئة، وحجبت الرؤية وسط أجواء قاسية لم يشهد الأهالي مثلها منذ فترة طويلة. وبينما كان الجميع يبحث عن مأوى من غضب الطبيعة، اختفت الطفلة الصغيرة عن الأنظار.

ما إن انتشر خبر فقدانها حتى تحولت المنطقة بأكملها إلى خلية بحث لا تهدأ. رجال ونساء وشباب من القرى المجاورة خرجوا يجوبون السهول والمسارات والوديان، يتشبثون بأمل العثور عليها سالمة. ساعات طويلة مرت ثقيلة على أسرتها وأهل المنطقة الذين ظلوا يترقبون خبراً يبدد القلق ويعيد الابتسامة.

لكن النهاية جاءت موجعة.
فقد عُثر على جثمان الطفلة في منطقة التهيمة القديمة، على مسافة تقدر بين 15 و20 كيلومتراً من المكان الذي اختفت فيه. وكان المشهد الذي استقبل الباحثين كفيلاً بأن يعتصر القلوب ألماً؛ إذ وُجدت مي بزيها المدرسي، وما تزال أدواتها الدراسية معها، وكأنها كانت تتمسك بآخر خيوط حلمها الصغير في التعلم والنجاح.

ساد الحزن أرجاء المنطقة، وتحولت مراسم التشييع إلى مشهد إنساني مهيب شارك فيه المئات من المواطنين الذين تدفقوا لتوديع الطفلة. امتزجت الدموع بالدعوات، وارتفعت الأكف إلى السماء بالرحمة والمغفرة، فيما خيم الصمت على الوجوه التي أثقلها الألم.

قصة مي ليست مجرد حادثة عابرة، بل حكاية موجعة أعادت إلى الواجهة المخاطر التي تفرضها العواصف والتقلبات المناخية المتزايدة، خاصة على الأطفال في المناطق الريفية المكشوفة. كما تطرح أسئلة ملحة حول سبل حمايتهم وتوفير أنظمة إنذار مبكر وإجراءات سلامة تقلل من حجم المخاطر أثناء الظروف الجوية الاستثنائية.

رحلت مي قبل أن تكمل فصول طفولتها، لكنها تركت خلفها قصة ستبقى حاضرة في ذاكرة أهل النيل الأبيض؛ قصة طفلة خرجت تحمل كتبها إلى المدرسة، فعادت إلى قلوب الناس ذكرى لا تُنسى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى