مقالات

​محمد سيد يكتب: ​نبوءة على مائدة «العصيدة».. حين قرأت الخيانة في عيونهم

​فالحمد لله.. الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، والحمد لله الذي بفضله ومنه ويمنه يعز جنده وينصر حقه.

​هذا المقال ليس كسابقه؛ إنه كتابة بوجع معجون بمرارة الذكرى، واستدعاء لمشاهد كنت أمني النفس أن تكون مجرد أوهام أو شطحات ظن، لكنها أصبحت -للأسف- واقعًا أليمًا خضب السودان بالدم والخراب، قبل أن ترتد العافية ويكسر شوكة الدنس.

​قبل اندلاع هذه الحرب الغاشمة بنحو عامين، كانت لي طقوس أسبوعية ألوذ بها من صخب الحياة، وهموم المنازل، وأعباء العمل؛ كنت أسعى حثيثًا إلى لقاء أخي وصديقي ورفيق دربي، الأخ الفاضل صلاح التوم؛ ذلك الرجل الذي تجتمع فيه شيم أهل السودان وطيبتهم. كانت تجمعنا الخرطوم العريقة، وتحديدًا شارع المطار، حيث كان يصر علي بكرمه الأصيل أن نتشارك وجبة الإفطار بالقرب من نادي الضباط؛ تلك البقعة المشهودة التي طالما ارتبطت في أذهان الناس بنكهة “العصيدة” الشعبية. ورغم بساطتها، فقد كانت بمثابة «سودان مصغر» يتجلى فيه دفء اللحمة الاجتماعية، وتلتقي عند مائدتها أطياف شعبنا من كل حدب وصوب. ورغم أنني لست من عشاق هذه الوجبة، إلا أنني كنت أستجيب لإصراره ومحبته، لأجل جلسته التي لا تعوض، وكأنه كان يقول لي بلسان الحال: “لا بد أن تفطر معي حتى تؤجر وتثاب”.

​كانت لقاءاتنا مع صلاح تحملني إلى عالم آخر؛ كنا نتفاكر في أحوال ديننا ودنيانا، ونتبادل أطراف الحديث عن شؤون أسرنا وتفاصيل اجتماعياتنا، فإذا بالطاقة السالبة التي أثقلت كاهلي تصبح صفرًا، وأعود من لقائه محمولاً بفيض من الطاقة الإيجابية والسكينة.

​لكن صفو تلك اللحظات الجميلة كان يتكدر دائمًا بمشهد ثابت ومريب؛ مشهد عناصر ميليشيا “الدعم السريع” وهم يجوبون المكان. كنت أرقب سلوكهم المشؤوم الذي يحمل في طياته شؤم الخيانة والخراب،

واستخفافهم بالمواطنين، ولامبالاتهم المطلقة بكرامة الناس وحرمة المكان. كان يمتلئ مظهرهم بالصلف والـ عنجهية والغطرسة، ممتزجًا بازدراء واضح ومستفز لهذا الشعب السوداني الطيب.

​كنت أنظر إليهم، فتسري في جسدي قشعريرة من الوجع، وألتفت إلى أخي صلاح التوم والنار تشتعل في صدري، لأقول له بمرارة وحسرة: «يا أخي، هؤلاء ليسوا من طينة هذا الوطن، ولا تجمعنا بهم جينة نخوة. هؤلاء وافدون من خارج جغرافيا الأخلاق، يفتقرون لملامح وشهامة ومروءة أهل السودان. هؤلاء الأشرار لا عهد لهم، ولا أمان لهم، ولا ذمة».

​فكان أخي صلاح يستوقفني، ويضع يده على حدة انفعالي بضحكته المعهودة وطيبته الجميلة، ويقول لي بهدوئه العذب: «على رسلك يا أخي.. تفاءل خيرًا يا رفيق».

​فأجيبه بلا تردد ولا مواربة، وأنا أرى خفايا نفوسهم: «والله يا أخي، أرى فيهم الخيانة! الخيانة تستقر في دمائهم وتطل جلية من عيونهم. هؤلاء خونة، وسوف يخونون هذا الوطن في أول منعطف، وفي وجود هؤلاء.. ليس هنالك خير يرتجى».

​تداعت بي الأيام، ودارت دورة الزمان، واستيقظت الخرطوم ذات صباح على غفلة من أهليها بباكورة الرصاص الشرير والصدمة التي حذرت منها. غدروا بالوطن، واستباحوا الديار، وحاولوا دفن تاريخ هذا الشعب العظيم تحت جنزير البغي والعدوان.

​لكن صدق النبوءة وقسوة المنظر لم يسلبا هذا الوطن كبرياءه؛ فبفضل الله ومنه، قيض للسودان جندًا أوفياء.. قوات شعبنا المسلحة، التي استطاعت بكبرياء الفرسان وثبات الجبال أن تمتص الصدمة الأولى في “بيت الضيافة”، وحولت غدر المعتدين إلى بطولات تكتب بماء الذهب. لقد طهر جيشنا الباسل هذا الدنس، وبدد هذا الكابوس الذي أرادوا له أن يجثم على صَدْر الخرطوم.

​إننا نقف اليوم إجلالاً وتعظيمًا، وتقديرًا واحترامًا -كل العمر- لأولئك النفر الكريم من أبناء شعبنا وقواتنا المسلحة، الذين فدوا هذا السودان الأبي بأرواحهم الطاهرة المجيدة، وجعلوا أجسادهم سدودًا منيعة دون حياض الوطن.

​فيا شهداءنا الأبرار.. لكم الرحمة ولكم المغفرة، ونسأل الله العلي القدير، المليك المقتدر، أن يجمعنا بكم في عليين، وأن تكون أرواحكم الطاهرة في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث تشاء.

​لقد ذهب الدنس وغربت شمس البغاة، وذهبت معها رياح «أحزاب الإطاري» غير مأسوف عليها وإلى غير رجعة، لينقشع الزيف وتنجلي المأساة عن إشراقة وطن لا يركع.

​فهنيئًا لك يا خرطوم الصمود، وهنيئًا لك يا سودان المجد والعزة، وها هو علمنا العظيم يعود ليرفرف فوق هامة القصر الجمهوري بكل عزة وشموخ وخفقان، يحكي للأجيال قصة وطن دحر الخيانة وبقي خالدًا كالنيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى