محمد عثمان الرضي يكتب: ذهب السودان.. من يملك الحقيقة؟

انعقد الملتقى الأول لقضايا التعدين في الخرطوم.
تعددت الكلمات، وتوالت الأوراق، وامتلأت القاعة بالحديث عن الذهب ومستقبل التعدين.
لكن السؤال الأكبر ظل بلا إجابة:
أين ذهب ذهب السودان؟
إلى أين تذهب الكميات التي تخرج خارج القنوات الرسمية؟
وما حجم الذهب الذي تم ضبطه أو رصده في قضايا التهريب؟
وما نتائج التحقيقات والإجراءات القانونية التي اتخذتها الجهات المختصة؟
ومن حق الرأي العام أن يعرف ما تكشفه البيانات الرسمية، لا أن يبقى أسيراً للشائعات والروايات المتضاربة.
الذهب ليس ملكاً لمؤسسة، ولا حكراً على مسؤول.
الذهب ثروة شعب.
وثروة الشعب لا تُدار بالغموض.
ثم نأتي إلى ملف المسؤولية المجتمعية.
كم تبلغ مخصصاتها من عائدات الذهب؟
ومن يحدد حجمها؟
وكيف تُوزع؟
ومن يختار المشروعات؟
وهل تصل الأموال إلى المجتمعات التي تُنتج الذهب وتتحمل آثار التعدين؟
وأين التقارير التي تكشف حجم الأموال والمشروعات والمناطق المستفيدة؟
المسؤولية المجتمعية ليست صوراً للاحتفالات، ولا لافتات تُرفع عند الافتتاح.
المسؤولية المجتمعية حق تنموي، وواجب يجب أن تظهر آثاره في حياة المواطنين.
أما الشركة السودانية للموارد المعدنية، فهي في قلب قطاع التعدين.
ولذلك فإن السؤال عن الرقابة عليها ليس خصومة.
وليس استهدافاً.
إنه سؤال عن المال العام.
هل تخضع الشركة للمراجعة المالية والإدارية وفق القوانين واللوائح؟
وهل يراجع المراجع العام حساباتها وأداءها؟
وهل تُعلن نتائج المراجعة للرأي العام؟
ومن يوضح ما يُتخذ من إجراءات حيال أي ملاحظات تثبتها الجهات الرقابية؟
ثم يبرز سؤال آخر:
ما هو الوضع الوظيفي للمدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية، محمد طاهر عمر؟
وإذا كانت مدة عقده قد انتهت، فهل تم التجديد أو التمديد أو إصدار قرار جديد ينظم استمرار شاغل المنصب؟
وما هو السند القانوني والإداري لذلك؟
ومن يملك سلطة التعيين؟
هل هي سلطة وزير المعادن؟
أم سلطة رئيس مجلس الوزراء؟
أم جهة أخرى يحددها القانون؟
ومن يقيم الأداء؟
ومن يراجع القرارات؟
ومن يملك سلطة المساءلة؟
فالوظيفة العامة تكليف.
والتكليف تحكمه القوانين.
والقوانين لا تُدار بالتأويل.
كما تثار تساؤلات حول العلاقة المهنية بين وزير المعادن والمدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية.
هل تسير العلاقة في إطار التنسيق والتكامل؟
أم توجد اختلافات إدارية أو مهنية تحتاج إلى توضيح رسمي؟
لا أحد يطالب بإدانة أحد.
ولا أحد يملك إصدار الأحكام خارج القانون.
لكن الصمت لا يجيب عن الأسئلة.
والغموض لا يحمي المؤسسات.
والشفافية لا تضعف الدولة.
بل تحميها.
ملتقى التعدين كان فرصة.
لكن الفرص لا تُقاس بعدد المتحدثين.
تُقاس بعدد الحقائق التي خرجت إلى الناس.
السودان لا يحتاج إلى مزيد من الخطب عن الذهب.
السودان يحتاج إلى أرقام.
يحتاج إلى تقارير.
يحتاج إلى رقابة.
يحتاج إلى إجابات.
كم ننتج؟
كم نصدر؟
كم يدخل إلى خزينة الدولة؟
كم يُخصص للمجتمعات؟
ومن يراجع الحسابات؟
ومن يحاسب؟
هذه ليست أسئلة عابرة.
إنها أسئلة ثروة وطن.
وإذا كان الذهب ثروة الشعب، فإن معرفة مصيره حق الشعب.
فلا تجعلوا الذهب ملفاً تحرسه الأسئلة، بينما الحقيقة غائبة خلف الأبواب المغلقة.
الذهب لا يختفي وحده… والمال العام لا يجوز أن يبقى بلا كشف، ولا رقابة، ولا جواب.

