من 615 مليون دولار إلى 3 مليار: كيف يحول المنصوري “المواشي” إلى بنك السودان القادم؟”
قراءة استراتيجية في أداء وزارة الثروة الحيوانية وتحديات الانتقال إلى القيمة المضافة

بقلم: الدكتور محمد عوض محمد متولي
في عز العاصفة، وعندما كانت أغلب مؤسسات الدولة تبحث عن النجاة، اختارت وزارة الثروة الحيوانية الاتحادية أن تعمل “بلغة الأرقام والحقائق”. هذه ليست مجرد عبارة بروتوكولية، بل منهج إدارة أزمة طرحه بروفيسور أحمد التجاني المنصوري في استعراض حصيلة 11 شهراً من العمل الاستثنائي. والحصيلة تقول بوضوح: 615 مليوناً و228 ألفاً و520 دولاراً عائدات مسجلة من تصدير 4 ملايين و513 ألفاً و875 رأساً من الماشية، بالإضافة إلى 84.9 طناً من اللحوم، و201 طناً من الأسماك، وإنتاج سمكي بلغ 19 ألفاً و701 طناً من المصائد الطبيعية والاستزراع. هذه الأرقام في ظروف حرب ونزوح وانهيار بنية تحتية ليست إنجازاً إدارياً فحسب، بل هي شهادة صمود لقطاع يمثل 20 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي حسب تقديرات البنك الدولي للسودان قبل الحرب. وللفهم الاستراتيجي لهذا الرقم لابد من وضعه في ميزان المقارنة الإقليمية. فكينيا صدرت لحوماً وألباناً بقيمة 1.2 مليار دولار في 2024م، وإثيوبيا 500 مليون دولار رغم أنها بدأت متأخرة في التصنيع. بينما نحن ثالث أكبر قطيع في أفريقيا يزيد عن 106 مليون رأس حققنا 615 مليون في 11 شهر فقط. هذا يعني أن الفجوة ليست في الموارد ولا في الطاقة الإنتاجية، بل في نسبة التصنيع والقيمة المضافة. فإذا وصلنا إلى نفس نسبة التصنيع في كينيا يمكننا القفز مباشرة إلى 2 مليار دولار سنوياً دون الحاجة لزيادة رأس واحد.
إن تشخيص الوضع يبدأ من إدراك أن السودان لعقود كان يصدر “الخام” على أربع أرجل. الحيوان الحي سعره في أسواق الخليج لا يتجاوز 400 دولار للرأس، بينما كيلو اللحم المبرد المصنع يباع بأكثر من 12 دولاراً. الفارق هو القيمة المضافة التي كنا نهديها لغيرنا. ما فعله المنصوري في 11 شهراً هو أنه بدأ يغلق هذا الصنبور. فقد تم تحصين 2.6 مليون رأس في عشر ولايات، والتصديق على 3.4 مليون جرعة لقاح لولاية النيل الأبيض وحدها، وحماية 1.375 مليون فدان من المراعي خلال 2025م، وفتح وتخريط وتسجيل نحو 988 كيلومتراً من مسارات الرعاة. كما شهدت أكثر من 30 ألف فدان أعمال استزراع ونثر بذور وغرس أشجار وشجيرات علفية، ونُفذت 25 دورة تدريبية بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة الفاو استفاد منها نحو 850 متدرباً. كل هذه الإجراءات تبدو فنية لكنها في العمق استراتيجية. فبدون صحة حيوانية ومسارات آمنة ومراعٍ محمية وتدريب وكوادر مؤهلة لا يمكن الحديث عن صادرات مستدامة ولا عن ثقة للمستورد الخليجي والأوروبي. منظمة الفاو تشير إلى أن كل دولار يستثمر في الصحة الحيوانية يعيد 10 دولارات في شكل صادرات وصحة عامة وتقليل الفاقد.
*أخطر ما في رؤية بروفيسور المنصوري ليس الأرقام الحالية، بل السؤال الذي طرحه: لماذا نصدر الحيوان ونستورد الجلد المصنع واللحوم المعبأة والجبن واللبن البودرة؟* لذلك طرحت الوزارة نموذج “منظومة متكاملة” تبدأ بالأعلاف والتحسين الوراثي والصحة الحيوانية، وتمر بالإنتاج والتسمين والذبح الحديث والتصنيع والتبريد والتعبئة، وتنتهي بالجلود والمخلفات والطاقة الحيوية والتسويق والتصدير. هذا هو بالضبط ما فعلته البرازيل فتحولت من مصدر ماشية إلى أكبر مصدر لحوم في العالم بعائدات تجاوزت 17 مليار دولار في 2024م. وما فعلته إثيوبيا عندما أنشأت 14 مجمعاً صناعياً زراعياً متخصصاً في الثروة الحيوانية. وهنا يأتي مشروع “مدن الإنتاج الحيواني” الذي بدأ العمل فيه بصورة عملية في ولايتي نهر النيل والشمالية، مع التوجه للتوسع في ولايات أخرى. الفكرة تتجاوز إنشاء مزارع تقليدية، لتكوين تجمعات إنتاجية وصناعية تضم الأعلاف والألبان والدواجن والمسالخ وتصنيع اللحوم والجلود والخدمات البيطرية والتحسين الوراثي والتبريد والأسماك والطاقة المتجددة والبيوغاز. كما تستهدف الوزارة ربط هذه المدن بالجامعات ومراكز البحث العلمي وإدماج صغار المنتجين والجمعيات في سلاسل القيمة والتمويل والتصدير. وهذا البعد هو الأهم في مرحلة ما بعد الحرب، لأن مدن الإنتاج الحيواني المقترحة يمكن أن تستوعب 100 ألف أسرة من العائدين والنازحين خلال 18 شهراً. كل أسرة تمتلك 10 رؤوس يمكن إدخالها في منظومة التسمين والتمويل الأصغر. بهذا نحول الإغاثة إلى إنتاج، والمعسكرات إلى قرى إنتاجية، ونحول أزمة النزوح إلى وقود للتنمية.
ومن الملفات التي كشف عنها الوزير أيضاً مشروع التحول الرقمي نحو “وزارة بلا ورق”، من خلال رقمنة المعاملات والخدمات، وتسهيل إجراءات المواطنين والمستثمرين والمصدرين عبر الهاتف، والاستفادة من التتبع الإلكتروني والذكاء الاصطناعي في تطوير القطاع ومكافحة تهريب الحيوانات. في اقتصاد حرب، التهريب هو العدو الأول للنقد الأجنبي. التتبع الإلكتروني وشهادات الصحة الرقمية يضربان السوق الموازي في مقتل. كما أن رقمنة خدمات المستثمرين والمصدرين تختصر 30 يوماً من الإجراءات إلى 48 ساعة. تجربة كينيا في رقمنة قطاع الثروة الحيوانية رفعت الصادرات بنسبة 40 بالمائة خلال سنتين.
الوزير أشار إلى أنه تلقى على صفحته في الفيسبوك 544 مداخلة حول أداء الوزارة، منها 530 إيجابية وبناءة و14 سلبية، مؤكداً أن باب الوزارة مفتوح للنقد والتوجيه. وقال إن التقييم يجب أن يكون وفق الأرقام والحقائق والنتائج، وإن ما تحقق من خير فمن الله، وما كان فيه قصور فهو قابل للتصحيح. وهذه لغة دولة مؤسسات لا دولة أشخاص، وهي نفس اللغة التي نحتاجها في كل الوزارات اليوم.
ولكي ننتقل من 615 مليون دولار إلى 3 مليارات دولار خلال 3 سنوات، فإن المرحلة القادمة تحتاج إلى حسم ملفين استراتيجيين. الأول هو التمويل، ويكون الحل بإنشاء صندوق سيادي للثروة الحيوانية بمساهمة الحكومة 30 بالمائة والمغتربين 40 بالمائة والقطاع الخاص 30 بالمائة لتمويل مدن الإنتاج. الثاني هو التهريب، ويكون الحل بربط التحول الرقمي ببنك السودان لتوجيه حصائل الصادرات مباشرة عبر القنوات المصرفية، ومنح حوافز 10 بالمائة للمصدرين الذين يدخلون عائداتهم بالدولار، مع تشديد العقوبات على المهربين. وحدد المنصوري خمس أولويات للمرحلة المقبلة، أبرزها تسريع مدن الإنتاج الحيواني، وتحويل الدراسات إلى مشروعات ممولة، وزيادة القيمة المضافة للصادرات، وتسريع التحول الرقمي، ووضع هدف قومي لمضاعفة عائدات قطاع الثروة الحيوانية والسمكية.
الرسالة الأساسية التي طرحها وزير الثروة الحيوانية هي أن السودان لا ينبغي أن يظل مصدراً للحيوانات الحية فقط، بل أن ينتقل إلى إنتاج وتصنيع وتعبئة وتصدير منتجات حيوانية ذات قيمة مضافة. الأرقام التي عرضها الوزير هي بداية التقييم، والمرحلة القادمة هي اختبار التنفيذ. فهل نرى مسلخاً حديثاً في عطبرة؟ هل نرى جبناً سودانياً في رفوف الرياض؟ هل نرى جلداً سودانياً في مصانع إيطاليا؟ الثروة الحيوانية ليست مجرد قطاع، هي عملة صعبة، وهي أمن غذائي، وهي صمام أمان اجتماعي لملايين الرعاة والمزارعين. إذا نجحت رؤية “المنظومة المتكاملة” و”مدن الإنتاج” فسنكون قد حولنا هذا القطاع من مورد تقليدي إلى قاطرة حقيقية للنقد الأجنبي وإعادة إعمار الاقتصاد السوداني. والسؤال الآن ليس للوزير وحده، بل لنا جميعاً: هل سندعم هذه الرؤية بالتمويل والسياسات والمتابعة، أم سنتركها حبيسة التقارير؟ فالأوطان لا تبنى بالتمني، وإنما بالأرقام والحقائق والعمل.
*المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

