مقالات

د. محمد إحسان يكتب: مفهوم الشرق الأوسط الجديد: جذوره التاريخية، وتحولاته، وضرورة الحوار الشامل

على الرغم من أن مصطلح «الشرق الأوسط» برز بصورة متزايدة منذ أوائل القرن العشرين، فإن جذور الاهتمام بالمنطقة تعود إلى فترة أسبق بكثير.

في رأيي، تعود بدايات هذا الاهتمام إلى عام 1798، عندما قرر نابليون للمرة الأولى توجيه جيوشه نحو منطقة أخرى، بالتحرك جنوبًا وشرقًا وصولًا إلى مصر وبلاد الشام. وفي ذلك الوقت، أصبحت المنطقة هدفًا استراتيجيًا وجغرافيًا، وبرزت أهميتها الكبيرة في التصورات الأوروبية. فما الذي فعله نابليون آنذاك، وما الذي ترتب على ذلك؟ لقد فتح الباب أمام الهيمنة الأوروبية على المنطقة، لتصبح ساحة للصراع الأوروبي والتدخل المستمر.

كما أظهرت تلك المرحلة الأهمية الاستراتيجية لمصر وبلاد الشام، التي كانت تضم آنذاك لبنان وفلسطين وسوريا، وموقعها الفريد بين الدول. ومن هنا بدأ الاهتمام الغربي الفعلي بالمنطقة من الناحيتين العلمية والسياسية.

وفي تلك الفترة، وُضع الأساس لمفهوم آخر، تمثل في الانتقال من مجرد الحديث عن «منطقة الشرق» إلى مفهوم «الشرق الأوسط». وقد بدأ هذا المفهوم في الظهور خلال أوائل القرن العشرين، وتحديدًا من خلال الدبلوماسيتين الأمريكية والبريطانية. كانت الولايات المتحدة تتابع أوضاع المنطقة من بعيد، بينما كان البريطانيون حريصين على تطوير هذه المنطقة.

ثم جاءت مرحلة التنقيب عن النفط واستكشافه، التي كشفت عن الأهمية الفائقة للمنطقة. فعلى سبيل المثال، مُنحت امتيازات التنقيب للشركات في العراق خلال الفترة من عام 1902 إلى عام 1907، واكتُشف النفط في إيران عام 1908، وفي العراق عام 1927، وفي البحرين عام 1932، وفي السعودية عام 1938.

وفي ذلك الوقت، كانت شركة النفط التركية مهتمة بمنطقة الشرق الأوسط قبل شركة النفط البريطانية «بريتيش بتروليوم» (BP)، وأولت المنطقة اهتمامًا بالغًا. وبعد اندلاع الحرب وخروج الأتراك، جاءت شركة «بريتيش بتروليوم» وتوسع حضورها في المنطقة بصورة كبيرة.

لطالما قال الغرب إنه جاء لإعادة تشكيل الشرق، وإن هذه المنطقة ينبغي أن تدخل مرحلة الاستعمار والاحتلال. وفي المقابل، كان أبناء المنطقة يقولون إن هؤلاء جاؤوا من أجل خيراتنا: النفط والأشجار والمياه والمعادن والثروات البشرية والعقول.

أما الغرب، فكان لديه تصور آخر، إذ كان يقول: «لا، نحن جئنا لإنقاذ هؤلاء، وجلب الحضارة إليهم وتحضيرهم ونشر مفهوم التحديث». وبحسب هذا التصور، فإن نشر الحضارة يتعارض كليًا مع الاستعمار، لكن المفهوم الفعلي والممارسة كانا مختلفين.

وفي المرحلة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، تكرر الحديث عن «الشرق الأوسط الجديد». وقد طُرح هذا المفهوم بوضوح في كتابات كوندوليزا رايس، قبل أن تصبح وزيرة وقبل حرب العراق عام 2003، عندما تحدثت عن مفهوم «الشرق الأوسط الكبير» أو الجديد، وعن كيفية إعادة ترتيب شؤون الشرق. ففي زمن النفوذ البريطاني والفرنسي في المنطقة، كان الحديث يدور حول إعادة ترتيب شؤون الشرق، ثم جاء الأمريكيون ليفعلوا الأمر ذاته.

في رأيي، تثبت كل هذه المحاولات أن إعادة ترتيب المنطقة لا يمكن أن تنجح ما لم تتم بإرادة أهلها أنفسهم. فإعادة ترتيب أوضاع المنطقة لن تنجح ما لم يتولَّ شعوبها بأنفسهم ترتيب شؤونهم.

وإذا لم تكن الشعوب الرئيسية التي تعيش في المنطقة على علاقة جيدة قائمة على القبول المتبادل، ولم تتقبل الأديان الرئيسية بعضها بعضًا، فلن تتمكن هذه المجتمعات ودول المنطقة من النهوض مجددًا. وبعد عام 2003، ثبت بوضوح أن تصدير الفكر الديمقراطي عبر الصراع الفكري لم يحقق النجاح، كما أن القوة العسكرية لم تحقق النجاح أيضًا.

ففي مرحلة من المراحل، لم يتمكن 172 ألف جندي أمريكي من تحقيق الاستقرار في العراق، ورغم إنفاق تريليونات الدولارات، لم يتمكن الأمريكيون من جلب الاستقرار إلى البلاد. ولن يتحقق ذلك ما لم يعمل كل بلد على حل مشكلاته بنفسه، ويتقبل أبناؤه بعضهم بعضًا.

يجب على القوميات الرئيسية في المنطقة أن تتقبل بعضها بعضًا، وهي الكرد والعرب والترك والفرس. وكذلك ينبغي أن تتقبل الأديان الرئيسية بعضها بعضًا، وهي المسيحية واليهودية والإسلام، إلى جانب بقية المكونات. فلا يمكنك أن ترفض الآخر، ثم تريد في الوقت ذاته تحقيق الاستقرار والسلام والأمان في المنطقة.

لقد تكبدت الولايات المتحدة خسائر فادحة للغاية، إذ تجاوز عدد الضحايا 20 ألف شخص من العسكريين والمشاركين. وشخصيًا، كنت ممن تمنوا خلاص البلاد، لأسباب لا علاقة لها بأوهام أخرى، بل رغبة في تخليصنا من صدام حسين. وفي ذلك الوقت، لم تكن أي قوة أخرى قادرة على فعل ذلك بمفردها من دون الولايات المتحدة.

لكن إذا جئت اليوم لتجري حساباتك وتحدد ما خسره الأمريكيون وما ربحوه، فالحقيقة أن العراقيين، والكرد أيضًا، لا يمتلكون النظرة البعيدة أو الرؤية السليمة تجاه بعضهم بعضًا.

وإذا جئت اليوم، واستنادًا إلى مختلف المعايير، لتقول إن وضع العراق كان أفضل في عهد صدام حسين، فإن هذا غير صحيح. فالعراق اليوم، بكل عيوبه ونواقصه، أفضل بكثير من الوضع الذي عاشه في عهد صدام حسين، بلا شك ومن مختلف النواحي، باستثناء الفساد، الذي أصبح بدوره ظاهرة عالمية في دول اليوم.

كل هذه الأمور تجعلني أقول إننا بحاجة ماسة إلى حوار جاد بين الشعوب الرئيسية في منطقة الشرق الأوسط ودياناتها الرئيسية، وأن نتعلم من أخطاء الماضي ومشكلاته وتاريخنا، لكي نتمكن من التفكير في بناء «شرق أوسط جديد» من الداخل، بعيدًا عن تصدير الأفكار إلى المنطقة وفرضها عليها من الخارج. فقد أثبتت هذه المحاولات فشلها منذ عهد نابليون، مرورًا بالإنجليز والفرنسيين والإيطاليين، وصولًا إلى الأمريكيين، سواء من خلال تصدير الأحزاب التي ظهرت لاحقًا أو فرض أي فكر أحادي.

فالفكر الماركسي لا تزال آثاره الضارة قائمة حتى يومنا هذا في العديد من الدول التي تبنته. وكذلك الفكر القومي العربي الذي أراد فرض سيطرته على المنطقة ولم ينجح، إلى جانب تصدير الثورة الشيعية التي فُرضت في بعض الدول، وتسببت في تخريب وانهيار خمس دول في المنطقة عبر الديكتاتورية وأساليب الكوارث.

لقد كان فرض القومية، أيًّا كانت، كارثة ثانية، وتصدير الثورة كارثة ثالثة، أما الفكر الماركسي وتسطيح الوعي في الدول فكانا جذرًا لكارثة أخرى. وكذلك كان الفكر القومي الناصري في بعض الأماكن، الذي يُعد كارثة أخرى أيضًا.

وما لم نقبل بحوار جاد وحقيقي بين القوميات والديانات الرئيسية في المنطقة، وما لم يتحقق القبول المتبادل بين الأديان والمذاهب كافة، فلن نخرج من دائرة الكوارث، بل سننتقل من كارثة إلى أخرى، ومن حرب إلى حرب، وسندمر مستقبل أجيالنا القادمة.

* باحث وأكاديمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى