خليل فتحي خليل يكتب: حين تصمت الشركات… من يحمل راية الثقافة والابداع في النيل الأبيض؟

(المسوؤلية المجتمعية امر واجب وحتمي)
ليست الثقافة ترفاً، وليست قصيدة تُلقى في أمسية ثم تنتهي، ولا معرض كتاب يفتح أبوابه لأيام ثم يُغلق. الثقافة هي روح المجتمع، وهي الذاكرة التي تحفظ الهوية، والجسر الذي تعبر عليه الأجيال نحو مستقبل أكثر وعياً وإبداعاً. وكل مجتمع يهمل ثقافته، إنما يهمل جزءاً من وجوده وتاريخه.
وفي ولاية النيل الأبيض، حيث تعمل شركات كبيرة وتحقق أرباحاً من الأسواق المحلية ومن موارد الولاية، يظل السؤال قائماً: أين دور هذه الشركات والمؤسسات في دعم الثقافة والمثقفين؟ وأين مسؤوليتها الاجتماعية تجاه المجتمع الذي يحتضن أعمالها ويوفر لها البيئة التي تحقق فيها الأرباح؟.
المؤسف أن كثيراً من هذه الشركات تنظر إلى المجتمع من زاوية الأرقام فقط؛ حجم المبيعات، ونسبة الأرباح، والعائد السنوي. أما الثقافة، والمبادرات الفكرية، والأنشطة الأدبية والفنية، فلا تجد مكاناً في أولوياتها، وكأن الاستثمار في الإنسان ليس استثماراً حقيقياً.
وفي كل مرة يُطرح فيها طلب للمساهمة في إقامة معرض كتاب، أو مهرجان ثقافي، أو ملتقى أدبي، أو دعم مبادرة شبابية، تأتي الإجابة الجاهزة: “البلد في حالة حرب.” وهي عبارة قد تكون صحيحة في توصيف الواقع، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر دائم للتخلي عن المسؤولية المجتمعية. وهاهي الحرب اوشكت ان تنتهي
بل إن فترات الأزمات والحروب هي أكثر الأوقات التي تحتاج فيها المجتمعات إلى الثقافة، لأنها تمنح الناس الأمل، وتواجه خطاب الكراهية، وتحافظ على الهوية الوطنية، وتعيد بناء الإنسان قبل إعادة بناء الحجر.
ومن الملاحظ أيضاً أن بعض الشركات لا تدعم المبادرات وفق معايير واضحة، وإنما يذهب الدعم أحياناً إلى أفراد تجمعهم بها علاقات شخصية أو معرفة مباشرة، بينما تُترك المبادرات الجادة والمؤسسات الثقافية التي تعمل في الميدان بلا سند ولا اهتمام. وعندما يصبح الدعم قائماً على العلاقات بدلاً من جودة المشروع وأثره، فإن العدالة تغيب، وتضيع الفرص أمام كثير من المبدعين.
إن المسؤولية المجتمعية ليست إعلاناً دعائياً، ولا صورة تُنشر في وسائل الإعلام، بل هي التزام أخلاقي وتنموي تجاه المجتمع. والشركات الكبرى في مختلف دول العالم تخصص جزءاً من أرباحها لدعم الثقافة، والتعليم، والصحة، والبيئة، لأنها تدرك أن نجاحها مرتبط بازدهار المجتمع الذي تعمل فيه.
وفي النيل الأبيض توجد طاقات شبابية مبدعة، وشعراء، وروائيون، وفنانون، وفرق مسرحية، ومبادرات للقراءة، ومعارض للكتاب، ومنتديات ثقافية تستحق أن تجد من يساندها. لكنها كثيراً ما تعتمد على الجهود الذاتية، وعلى تبرعات أفراد محدودي الإمكانات، بينما تقف المؤسسات الاقتصادية الكبرى موقف المتفرج.
إن دعم الثقافة ليس منحة للمثقفين، وإنما هو استثمار في الاستقرار والتنمية والوعي. فالمجتمع الذي يقرأ أقل عرضة للتطرف، والشباب الذي يجد منبراً للإبداع أقل انجرافاً نحو السلوكيات السلبية، والمدينة التي تزدهر فيها الفنون تصبح أكثر إشراقاً وجاذبية.
ولذلك فإن المطلوب اليوم هو أن تعيد الشركات النظر في مفهوم المسؤولية المجتمعية، وأن تضع برامج واضحة لدعم الأنشطة الثقافية، وأن تتعامل مع المؤسسات الثقافية بشفافية وعدالة، بعيداً عن المجاملات والعلاقات الشخصية.
كما أن الجهات الرسمية، والغرف التجارية، ومنظمات المجتمع المدني، مطالبة بتشجيع هذا التوجه، وإبراز الشركات التي تقدم نماذج إيجابية في خدمة المجتمع، حتى تصبح ثقافة العطاء المؤسسي جزءاً من بيئة العمل والاستثمار.
وعلي ادارات الشركات في المركز ان تغيير سياساتها… وان تمنح الولايات الاهتمام الازم عبر مكاتبها في الولايات…
وانا كاحد المهتمين بالشان الثقافي ولي عدد من الواجهات الثقافية التي ادير بعضها وانتمي لبعضها لقد اكتويت بنار الرفض لكثير من تمويل مشروعات هي اساس العمل الثقافي… وكثيرا ما يغلق الباب الذي اطرقه…
والمدراء للمؤسسات التي من المفترض ان تكون داعمه يقولون ان رفضهم ياتي لان ذلك هو سياسات واوامر عليا من شركاتهم
الي متي هذا الامر؟
ومتي ستغير ادارات هذه الشركات هذه النظرة….
وماهي المعايير الوطنية عند تلك الشركات؟.
ورغم ذلك… انا اقتطع من كبدي واعمل علي نشر الثقافة بكل صورها… والحمد لله ان ربي يوفقني والمجتمع في النيل الابيض واقف معي
اكتب كلامي هذا وان اشعر بمرارة في حلقي بسبب الظلم ان حاز لي التعبير
انا اقصد كل الشركات والمؤسسات المنوط بها دعم المبادارات التي نقدمها دعما للمجتمع قبل الحرب واثناء الحرب وبعد الحرب.
واخيرا
سترحل الأرباح، وتتغير الأسواق، وتتعاقب الإدارات، لكن ما يبقى في ذاكرة الناس هو من وقف إلى جانبهم، ومن أسهم في بناء الإنسان قبل بناء الثروة. والثقافة ليست عبئاً على الشركات، بل هي شريك في صناعة مجتمع أكثر وعياً واستقراراً..
فهل يأتي اليوم الذي نرى فيه الشركات الكبرى في النيل الأبيض تتنافس في رعاية معرض كتاب، أو مهرجان ثقافي، أو مبادرة شبابية، كما تتنافس في تحقيق الأرباح؟ ذلك هو السؤال الذي ينتظر إجابة بالفعل، لا بالشعارات.

