مقالات

دولة القانون.. د. عبد العظيم حسن المحامي يكتب: الرافضون للحوار (3)

إذا كان الموالون للنظام البائد ينظرون إلى المستقبل بالحفاظ على مكتسبات الماضي، وكانت مجموعة المبادئ و«صمود» تتحفظ على شكل الحوار أو شروطه بطريقة تستبطن الحفاظ على الشركاء في مجموعة تأسيس طبقاً لما يصاغ خارج الإرادة الوطنية، فإن تحالف الجذريين، ينطلق من سؤال أعمق: هل تكمن أزمة السودان فيمن يحكم، أم في بنية الدولة نفسها؟ ولذلك لا تبدو المسألة عند التيار الجذري مجرد تغيير حكومة أو ترتيب مرحلة انتقالية، وإنما إعادة تأسيس الدولة على قواعد جديدة، مع رفض التسويات والحلول الجزئية التي يرى أنها تعيد إنتاج الأزمة. فالإشكال ليس في القول إن السودان يحتاج إلى تغيير عميق، وإنما في السؤال: كيف نبني الدولة الجديدة قبل أن نتفق على الطريق الذي يوصل إليها؟ فكل مشروع تأسيسي يحتاج إلى انتقال، وكل انتقال يحتاج إلى مؤسسات، وكل مؤسسة تحتاج إلى شرعية، والشرعية النهائية لا يمنحها تيار سياسي أو تحالف مدني أو عسكري، وإنما الشعب عبر عملية دستورية وانتخابية.
وهنا تبرز قضية أكثر جوهرية: هل يمكن صناعة الثورة بالأدوات السياسية التقليدية نفسها في ظل حرب غيّرت الواقع السوداني كله؟.

فواقع الحرب قد يفرض تكتيكاً سياسياً يبدأ بالحفاظ على كيان الدولة ووحدتها ومنع تفككها، واستعادة مؤسساتها وفاعليتها، ثم الانتقال إلى معالجة جذور الأزمة. فالتغيير الذي يهدم الدولة قبل أن يبني بديلاً لها قد يجد نفسه أمام فراغ لا يستطيع أحد السيطرة على مآلاته. ولذلك فإن رفض التسوية إذا كانت تعني محاصصة النخب وإعادة إنتاج الأزمة يمكن مناقشته، لكن رفض الحوار السوداني السوداني، أو استبداله بحلول مستوردة ومجموعات تُجمع خارج البلاد، لا يقدم بديلاً وطنياً، بل يوسع الفجوة بين النخب والشعب. والبديل لا ينبغي أن يكون رفض الحوار، بل إعادة تعريفه: حوار سوداني خالص لا يوزع المناصب، ولا يستبطن أجندة خارجية، وإنما يؤسس لقواعد الدولة القادمة؛ شكل الحكم، والعلاقة بين المدني والعسكري، والمركز والأقاليم، وإدارة الموارد، واحتكار الدولة للسلاح، والعدالة الانتقالية، ثم الانتخابات.

ومن هنا يأتي ما سبق طرحه في مقالات «الحوار وإن طال السفر»: مساران متلازمان لا يتعارضان؛ مسار عاجل لمعالجة الحرب وآثارها واستعادة فاعلية الدولة، ومسار تأسيسي للحوار حول جذور الأزمة وبناء الورقة ذات الطابع الدستوري، وصولاً إلى انتخابات يقرر فيها الشعب شكل الدولة ومن يحكمها. فالجذري، كما غيره من التيارات، يستطيع أن يطرح مشروعه أمام السودانيين ليُناقش ويُعدل ويُختبر، بدلاً من أن يتحول الاختلاف حول وسائل التغيير إلى سبب جديد لتعطيل الحوار، أو إلى مبرر للارتهان لحلول تُصاغ خارج السودان. وهنا تنتقل القضية إلى السؤال التالي: إذا كان الحوار هو الطريق، فكيف نهيئ الطريق لحوار سوداني سوداني خالص؟ كيف نضمن استقلال إدارته، ووضوح أجندته، وعدالة تمثيله، ومنع احتكاره أو تعطيله أو توجيهه من الخارج؟ فنجاح الحوار لا يبدأ يوم يجلس المتحاورون إلى الطاولة، وإنما يبدأ من تهيئة الظروف والقواعد والضمانات التي تجعل الجلوس إليها ممكناً ومجدياً، وتضمن أن تكون الكلمة الأخيرة للسودانيين. ولعل السؤال لم يعد: من يمثل السودان؟ بل كيف نهيئ السودانيين جميعاً ليشاركوا في صناعة مستقبل السودان، بعيداً عن الوصاية والحلول الجاهزة؟.

الخرطوم 27 سبتمبر 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى