كر البلقاء.. ممدوح حسن عبد الرحيم يكتب: أوَ مُخرِجيَّ هم؟

إن سنن الله في كونه غالبة قاهرة، واقعة لا تحابي أحدًا ولا تتخلف أبدًا، وإن سير عجلة الحياة مرتبط بها من خلال اكتشاف هذه السنن في العلوم ومكنونات هذا الكون الذي سخّره الله للإنسان في كتابه المكنون، وفوق كل ذي علمٍ عليم.
أول ما تلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي، واستقبل قلبه المنشرح كلمة (اقرأ)، أدرك أن الأمر ينسجم مع العقل والعلم، وأن الوحي يقرب الشقة ويستجلب الرحمة.
رجع إلى بيته يرتجف فؤاده، فإذا به يستقبل أمرًا آخر وهو يستمع إلى حديث ورقة بن نوفل: «ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك». فقال صلى الله عليه وسلم: «أوَ مُخرِجيَّ هم؟» قال: «نعم، لم يأتِ رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي». رواه البخاري ومسلم.
لقد سجل التاريخ البشري سنة هذا الخروج الذي كان سببه الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
فها هو لوط عليه السلام:
﴿ولوطًا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾.
فكان التآمر والإخراج:
﴿أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون﴾.
مجرد الدعوة إلى الطهر والعفاف والإحصان حرمتهم من كون القرية قريتهم. وكأن الشعار: (الثورة ثورتنا)، فقالوا: من قريتنا، ولم يقولوا: من قريتهم، فهم وحدهم الذين يحق لهم التظاهر بذلك.
وها هو شعيب عليه السلام يقول لقومه:
﴿فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾.
فكان التآمر والإخراج ذاته، وكأن القرية ليست قريتهم:
﴿لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا﴾.
وكأن الشعار أيضًا: (البلد بلدنا).
يا أهل السودان، لم تأتِ أمة بمثل ما جئتم به من الأخلاق والفضيلة والالتزام إلا عوديت وأخرجت من قريتها.
قد خرجنا إذن، وذقنا مرارة الخروج من بني قريتنا، فماذا نقول؟
نقرأ التاريخ ونقول كما قال موسى عليه السلام من قبل:
﴿قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين﴾.
ولكنهم كانوا يواجهون فرعون وقوته الباطشة، ونالهم من بطشه وقهره ما نالهم:
﴿قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون﴾.
يا أهل السودان، إنه الفرج والنصر بعد العودة.
ونقول كما قال شعيب:
﴿ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين﴾.
يا أهل السودان، يكفي عداوةً وحربًا، ويكفي دمارًا وحقدًا.
لطفًا بالجيل الجديد، والطفل الوليد.

