محمد عثمان الرضي يكتب: الجنرال البرهان.. سيد نفسك من أسيادك!!!!!!.

الجنرال البرهان سيد نفسه؛ وهذه ليست عبارة سياسية عابرة، وإنما قاعدة يجب أن تحكم الموقف كله. فالتأشيرة إلى نيويورك لا ينبغي أن تتحول إلى باب تدخل منه الشروط السياسية إلى القرار السوداني، ولا إلى ثمن يُدفع مقابل التنازل عن موقف وطني.
الجنرال البرهان سيد نفسه، والسودان سيد قراره. تستطيع واشنطن أن تضغط وأن تفاوض وأن تطرح مبادراتها، لكنها لا تملك أن ترسم للخرطوم طريقها، ولا أن تجعل موافقة السودان على رؤيتها شرطاً لممارسة حقه في المحافل الدولية.
الجنرال البرهان سيد نفسه، ولذلك لا يقبل السودان أن تصبح التأشيرة أداة ابتزاز سياسي. فإن كانت واشنطن تريد هدنة أو سلاماً، فلتضع مقترحاتها على الطاولة، ولتقدم حججها وضماناتها، ثم يقرر السودانيون ما يرونه مناسباً لبلادهم.
الجنرال البرهان سيد نفسه، لأن السودان ليس دولة بلا تاريخ. هذا شعب عرف الاستعمار البريطاني، ودفع ثمن حريته، ولم يكن يوماً شعباً يسهل إخضاعه بالتهديد أو العقوبات أو الضغوط. ومن يقرأ السودان بعقلية الوصاية القديمة، يخطئ قراءة هذا الشعب.
الجنرال البرهان سيد نفسه، حتى أمام الضغوط الاقتصادية. فقد جُرّبت على السودان العقوبات والحصار والضغوط السياسية، لكن تلك الأدوات لم تمنح أصحابها حق كتابة القرار السوداني. قد تؤلم العقوبات، لكنها لا تمنح واشنطن صك ملكية على إرادة السودانيين.
الجنرال البرهان سيد نفسه، ولذلك لا يمكن أن تكون الأمم المتحدة غرفة خلفية للقرار الأمريكي. الجمعية العامة للأمم المتحدة منصة للدول، وليست ملكاً لعاصمة واحدة، وحق السودان في تمثيل نفسه لا ينبغي أن يتحول إلى ورقة مساومة سياسية.
الجنرال البرهان سيد نفسه، لكنه ليس ضد السلام. السودان يستطيع أن يتفاوض ويقبل المبادرات ويناقش الهدن، لكن الفرق كبير بين التفاوض والوصاية، وبين الوساطة والإملاء، وبين السلام الذي يختاره السودانيون والسلام الذي يُراد لهم أن يقبلوه جاهزاً.
الجنرال البرهان سيد نفسه، ولذلك فإن التأشيرة لا ينبغي أن تكون مفتاحاً لفتح أبواب الشروط. إذا كانت هناك خلافات سياسية، فلتُناقش في السياسة، لا أن تُخفى خلف إجراء قنصلي ثم يُطلب من السودان دفع ثمنها من قراره وسيادته.
الجنرال البرهان سيد نفسه، ومن حقه أن يذهب إلى الأمم المتحدة مرفوع الرأس لا مطأطئه. فإن مُنحت التأشيرة فليذهب ممثلاً لبلاده، وإن مُنعت عنه فلا ينبغي أن يتحول المنع إلى سبب للتنازل عن موقف السودان.
الجنرال البرهان سيد نفسه، والشعب السوداني ليس تابعاً لأحد. كرامة السودانيين ليست قابلة للتسعير، وسيادة السودان ليست بنداً في صفقة دبلوماسية، وقرار الخرطوم لا يُكتب بقلم أمريكي.
الجنرال البرهان سيد نفسه من أسيادك؛ أما السيد الحقيقي لهذا القرار فهو السودان نفسه، وشعب السودان وحده هو صاحب الحق في أن يقرر ما يقبل وما يرفض.
وفي النهاية، ليست المشكلة أن يحصل البرهان على تأشيرة، وإنما ألا تتحول التأشيرة إلى فاتورة سياسية. فالسفر يمكن تعويضه، والمقعد يمكن أن يبقى شاغراً، لكن كرامة الدولة إذا دخلت سوق المساومات فلن تعود بالتأشيرات.
لذلك، فلتكن الرسالة واضحة: الجنرال البرهان سيد نفسه، والسودان سيد نفسه، ومن أراد التفاوض مع السودان فليفاوضه كشريك لا كتابع. لا أحد يرسم للخرطوم طريقها، ولا أحد يضع السيادة السودانية تحت ختم قنصلي.
قد تتأخر التأشيرة، وقد يُغلق الباب، لكن الباب الذي لا ينبغي أن يُفتح هو باب الوصاية. فالجنرال البرهان يمكن أن يخسر رحلة إلى نيويورك، لكن السودان لا ينبغي أن يخسر شيئاً من كرامته كي يكسب تلك الرحلة.
الجنرال البرهان سيد نفسك من أسيادك؛ وهذه هي الخلاصة: التأشيرة ليست أغلى من السيادة، ونيويورك ليست أغلى من الخرطوم، وكرامة الشعب السوداني ليست بنداً قابلاً للتفاوض.

