مقالات

محمد عثمان الرضي يكتب: القرار 90.. ذهب البحر الأحمر يغذي الخزينة والخرطوم تصادر حقوق المجتمعات المحلية!

هل تريد الحكومة الاتحادية أن تحصل على ذهب البحر الأحمر، وتستأثر بعائداته، ثم تطلب من المجتمعات المحلية أن تكتفي بمشاهدة ثرواتها وهي تغادر أرضها دون أن تنال نصيباً عادلاً من عوائدها؟ بأي منطق اقتصادي أو سياسي يجري نقل أموال المسؤولية المجتمعية من المناطق المنتجة إلى المركز، في توقيت تعتمد فيه الخزينة القومية بصورة متزايدة على الذهب؟ إن ما يجري ليس مجرد إعادة ترتيب إداري لحسابات مالية، بل قرار يفتح مواجهة خطيرة حول ملكية المنافع، وعدالة توزيع الثروة، ومسؤولية الدولة تجاه المجتمعات التي تتحمل تبعات استخراج مواردها الطبيعية. ومن حق الرأي العام أن يسأل: من اتخذ هذا القرار؟ ومن أجازه؟ ومن يتحمل المسؤولية السياسية والاقتصادية عن تداعياته؟.

في السابع من نوفمبر 2026، احتضن نادي البجا بمدينة بورتسودان ندوة نظمها حراك القوى الشبابية بشرق السودان، لمناقشة القرار الحكومي المتعلق بمركزة أموال المسؤولية المجتمعية الناتجة عن عائدات الذهب، وإنشاء مفوضية قومية تتولى الإشراف على هذه الأموال والتصرف فيها. وقد كشفت الندوة عن حالة رفض واسعة للقرار، وعن مخاوف حقيقية من أن تتحول المركزية المالية إلى وسيلة لإبعاد المجتمعات المحلية عن موارد ارتبطت بحقوقها ومصالحها المباشرة.

القرار رقم (90) لم يكن منحة حكومية لأصحاب الأراضي التي تحتضن مناجم التعدين، ولا مكرمة مالية قابلة للسحب بقرار إداري، وإنما إطار لتنظيم نصيب المجتمعات المحلية من ثرواتها. فقد نص على تخصيص 2% من عائدات التعدين المنظم و4% من عائدات التعدين الأهلي لصالح المناطق المستضيفة للنشاط التعديني. وإذا كانت هذه النسب المحدودة قد ظلت موضع قبول نسبي لدى المجتمعات المحلية، فما المبرر الذي يجعل الحكومة الاتحادية تتجه إلى إلغاء هذا الترتيب ومركزة الأموال تحت تصرف مفوضية قومية؟ وهل أصبحت حقوق المناطق المنتجة عبئاً على الدولة، أم أن المركزية باتت وسيلة لإعادة توزيع الثروة بعيداً عن أصحاب المصلحة الحقيقيين؟ إن أخطر ما في القرار ليس نقل الأموال من حساب إلى آخر، وإنما تكريس واقع تُستخرج فيه الثروة من أرض المواطنين، ثم يُقرر مصير عائداتها بعيداً عن مشاركتهم وضمان حقوقهم.

وتزداد المفارقة استفزازاً عندما نضع أمام الحكومة الاتحادية حقيقة أن ولاية البحر الأحمر أصبحت، بعد خروج عدد من الولايات المنتجة للذهب من دائرة الإنتاج بفعل الحرب، في مقدمة الولايات المساهمة في إنتاج المعدن النفيس، وأن الأرقام المتداولة تشير إلى أن نحو 80% من دخل الخزينة القومية يأتي من عائدات الذهب المنتج في الولاية.

فأي منطق اقتصادي أو سياسي هذا الذي يجعل المركز يستفيد من ذهب البحر الأحمر إلى هذا الحد، بينما يتجه إلى سحب آلية استفادة مجتمعاتها المحلية من أموال المسؤولية المجتمعية؟ هل المطلوب من إنسان البحر الأحمر أن يتحمل الآثار البيئية والاجتماعية للتعدين، وأن يشاهد ثروات أرضه تغذي الخزينة القومية، ثم يكتفي بالتصفيق لقرارات المركز؟ إن معادلة الحقوق والواجبات لا يمكن أن تظل مختلة بهذه الصورة.

إن المسؤولية السياسية عن هذا الملف لا ينبغي أن تتوقف عند الجهة التي أعلنت القرار، بل يجب أن تمتد إلى الجهات الاتحادية المعنية بصناعة السياسات والإشراف على قطاع التعدين وإدارة الإيرادات العامة. وعلى وزارة المعادن والجهات المختصة والشركة السودانية للموارد المعدنية أن تقدم للرأي العام إجابات واضحة: ما المبررات الاقتصادية والقانونية لمركزة هذه الأموال؟ وما الضمانات التي تمنع ضياع حقوق المناطق المنتجة؟ وكيف ستتم محاسبة المفوضية القومية على مواردها وأوجه إنفاقها؟ وهل أُجريت مشاورات حقيقية مع المجتمعات المحلية قبل اتخاذ هذا القرار؟ إن الصمت الحكومي لا يعالج الأزمة، والتعامل مع القضية باعتبارها اعتراضاً جهوياً أو سياسياً يمثل هروباً من جوهر المشكلة.

ولم تكن مواقف المشاركين في ندوة نادي البجا مجرد اعتراضات عابرة أو تحفظات بروتوكولية يمكن تجاوزها ببيان حكومي، بل عكست رفضاً واضحاً لإلغاء القرار (90)، مع إعلان الاستعداد لمناهضته بالوسائل القانونية والشعبية. ووصل التصعيد إلى التلويح بإغلاق مناجم التعدين ووقف عمليات التنقيب ومطالبة الشركات العاملة في الولاية بمغادرة مواقعها. وهذه رسائل لا ينبغي للحكومة الاتحادية أن تتعامل معها باستخفاف؛ لأن وصول المجتمعات المحلية إلى مرحلة التلويح بتعطيل النشاط الذي يغذي الخزينة القومية يكشف حجم الفجوة بين صناعة القرار في المركز وتطلعات أصحاب الأرض. فمن يتحمل مسؤولية التداعيات الاقتصادية والاجتماعية إذا تحولت هذه الاحتجاجات إلى مواجهة مفتوحة؟ وهل يستحق قرار إداري أن يضع أحد أهم مصادر الإيرادات القومية في دائرة التهديد؟.

إن خطورة القضية تتجاوز حدود أموال المسؤولية المجتمعية إلى مستقبل قطاع الذهب نفسه. فالتعدين ليس مجرد عمليات استخراج من باطن الأرض، وإنما سلسلة اقتصادية متكاملة ترتبط بالإنتاج والاستثمار والتشغيل والصادرات والإيرادات العامة. وأي اضطراب في العلاقة بين الحكومة والمجتمعات المستضيفة للمناجم يمكن أن ينعكس على استقرار الشركات، واستمرارية الإنتاج، وثقة المستثمرين. وفي بلد يعاني اختلالات مالية واقتصادية حادة، فإن تهديد أحد أهم مصادر الإيرادات القومية بسبب غياب العدالة في توزيع العوائد يمثل مخاطرة لا تحتملها الدولة. فهل تملك الحكومة ترف الدخول في أزمة جديدة مع مناطق الإنتاج، بينما هي في أمسّ الحاجة إلى كل جنيه من إيرادات الذهب؟.

ولعل اللافت في هذه القضية أن الورشة التي نظمتها الشركة السودانية للموارد المعدنية بمدينة بورتسودان خلال الأيام الماضية أسهمت في كشف أرقام وحقائق متعلقة بإنتاج الذهب وحجم مساهمته في الاقتصاد القومي. ويبدو أن إتاحة هذه المعلومات للرأي العام منحت أصحاب المصلحة فرصة أكبر لإدراك حجم الثروة المنتجة في مناطقهم، ومقارنة ما تقدمه تلك المناطق للدولة بما تحصل عليه من عوائد المسؤولية المجتمعية. وهنا تبرز أهمية الشفافية؛ فالمواطن الذي يعرف حجم ما تنتجه أرضه، من حقه أيضاً أن يعرف أين تذهب عائدات هذه الثروة، وكيف تُصرف، ومن يراقبها.

ومن زاوية أخرى، يُحسب للمدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية، محمد طاهر عمر، تنظيم هذا النشاط في توقيت بالغ الحساسية، إذ أتاح مساحة للنقاش حول قضية ظلت بحاجة إلى مزيد من الشفافية وتداول المعلومات. غير أن المسؤولية المؤسسية للشركة لا تتوقف عند تنظيم الورش وكشف الأرقام، بل تمتد إلى حماية استقرار النشاط التعديني، وتعزيز الثقة بين الشركات والمجتمعات المحلية، ورفع التوصيات اللازمة للجهات الاتحادية حتى لا تتحول إدارة الموارد إلى مصدر للاحتقان والنزاعات.

وكانت أموال المسؤولية المجتمعية تُوجَّه إلى المحليات المنتجة للذهب بولاية البحر الأحمر، حيث تستفيد تلك المناطق من مشروعات وخدمات تسهم في تلبية بعض احتياجات المواطنين، بينما تظل المحليات غير المنتجة خارج دائرة الاستفادة المباشرة من هذه الموارد.

وهنا تظهر أزمة أخرى لا تقل أهمية عن قرار المركزية؛ إذ لا يجوز أن تتحول حقوق المناطق المنتجة إلى امتياز حصري لبعض المحليات، ولا أن يُحرم المواطن الفقير من الدعم لمجرد أن منطقته لا تقع ضمن نطاق إنتاج الذهب. فالعدالة لا تتحقق بمصادرة الحقوق، كما لا تتحقق باحتكارها.

وقد لمست جانباً من هذه المفارقة بنفسي عندما سجلت زيارة إلى مدير جامعة البحر الأحمر، البروفسير عبدالقادر بدوي، بغرض التماس إعفاء بعض الطلاب المتعثرين عن سداد الرسوم الدراسية. وكانت المفاجأة أن طُلب مني تقديم خطاب من محلية منتجة للذهب لتغطية الرسوم الجامعية، غير أن الطلاب المعنيين يتبعون لمحلية لا تقع ضمن المحليات المنتجة للذهب، الأمر الذي جعل طلب المساعدة يصطدم بحدود جغرافية وإدارية لا علاقة لها بظروف الطلاب الاقتصادية أو حاجتهم الفعلية للدعم. إنها مفارقة مؤلمة أن يصبح الانتماء إلى محلية منتجة أو غير منتجة عاملاً في تحديد فرص الطالب الفقير في مواصلة تعليمه.

ومن هنا، فإن موقفي من هذه القضية لا يقوم على تأييد طرف ضد آخر، ولا على الانحياز إلى المركز في مواجهة الولايات. أنا ضد قرار مركزة أموال المسؤولية المجتمعية في الحكومة الاتحادية، لأن ذلك قد يضعف ارتباط هذه الموارد بالمناطق التي تنتج الذهب وتتحمل تبعات التعدين، وفي الوقت ذاته أنا ضد استمرار توزيع هذه الأموال داخل الولاية بمعايير غير عادلة تسمح باستئثار بعض المحليات بها وحرمان محليات أخرى، حتى وإن كانت حاجتها إلى الدعم أشد. فلا يجوز أن نستبدل ظلماً بظلم آخر، أو نهرب من مركزية غير عادلة إلى محلية تحتكر الموارد.

المطلوب اليوم ليس بيانات سياسية ولا اجتماعات لامتصاص الغضب، وإنما مراجعة مؤسسية وقانونية جادة للقرار، بمشاركة الحكومة الاتحادية وحكومة ولاية البحر الأحمر ووزارة المعادن والشركة السودانية للموارد المعدنية وممثلي المجتمعات المحلية. كما ينبغي نشر البيانات المالية الخاصة بإيرادات المسؤولية المجتمعية، وكشف أوجه الصرف السابقة، وتحديد حجم الأموال التي تحصلت عليها كل محلية، وإخضاعها لمراجعة مستقلة. وعلى الجهات الرقابية أن تتحمل مسؤوليتها في ضمان عدم تحويل هذه الموارد إلى أبواب جديدة للإنفاق غير المنضبط أو الاستئثار المالي والإداري.

والأهم من ذلك اعتماد معادلة اقتصادية وتنموية عادلة تحفظ للمناطق المستضيفة للتعدين نصيباً مضموناً من عائدات المسؤولية المجتمعية، مع إنشاء نافذة تضامنية تستوعب احتياجات المحليات غير المنتجة والأكثر فقراً. وينبغي أن تخضع هذه الأموال لمعايير معلنة، وأن تُوجَّه إلى مشروعات التعليم والصحة والمياه والطرق والخدمات الأساسية، مع نشر تقارير دورية عن الإيرادات والمصروفات والإنجازات. فالذهب الذي لا ينعكس على حياة المواطنين يتحول إلى رقم في دفاتر الخزينة، والثروة التي لا تصنع تنمية تظل سبباً جديداً للاحتقان.

أخشى أن تتحول معركة القرار (90) إلى أزمة أكبر من مجرد خلاف حول نسب مالية، إذا أصرت الحكومة الاتحادية على إدارة الملف بعقلية المركز الذي يأخذ ولا يستشير، وإذا استمرت بعض الجهات المحلية في التعامل مع أموال المسؤولية المجتمعية باعتبارها ملكية حصرية لا حقاً تنموياً ينبغي أن يصل إلى مستحقيه. وعلى الحكومة أن تدرك أن استقرار قطاع الذهب لا يُشترى بالقرارات الإدارية، وإنما يُبنى بالثقة والعدالة واحترام الحقوق. وعلى حكومة البحر الأحمر أن تراجع بدورها اختلالات التوزيع داخل الولاية. فهل تملك الخرطوم شجاعة التراجع عن قرار يهدد استقرار أحد أهم مواردها الاقتصادية؟ وهل تملك بورتسودان شجاعة تصحيح مظالم التوزيع المحلي؟ إن الذهب يخرج من باطن الأرض ليغذي خزينة الدولة، لكن العدالة لا تزال غائبة عن حياة كثير من أصحاب الأرض. وتلك هي المفارقة التي ينبغي أن تخجل منها الحكومة قبل أن تطالب المواطنين بالصبر على قراراتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى